تسعى سوريا إلى تحقيق اختراق حاسم في مسار إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي، عبر الدفع نحو شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي تفرضها الولايات المتحدة، في خطوة تعتبرها دمشق شرطاً أساسياً لفتح الباب أمام الاستثمارات الدولية، خصوصاً الأمريكية.
وأكد وزير المالية السوري يسر برنيه أن إزالة هذا التصنيف تمثل “المرحلة الأخيرة” في مسار إعادة ربط الاقتصاد السوري بالأسواق العالمية، مشيراً إلى تفاؤل حكومي بإمكانية تحقيق تقدم في هذا الملف خلال الفترة المقبلة، رغم عدم وجود جدول زمني واضح.
وجاءت هذه التصريحات على هامش مشاركة وفد سوري في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، حيث أجرت دمشق سلسلة لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، من بينهم ممثلون عن وزارة الخارجية، لمناقشة الشروط المرتبطة برفع التصنيف.
وترى واشنطن أن سوريا اتخذت خطوات إيجابية، لكنها لا تزال تطالب بمزيد من الإجراءات قبل اتخاذ قرار نهائي، في ظل معايير قانونية صارمة تحكم عملية إزالة الدول من هذه القائمة.
ويمثل هذا التصنيف، المفروض منذ عام 1979، العقبة القانونية الأكبر أمام تدفق الاستثمارات الأمريكية، حيث يمنع الشركات من العمل داخل سوريا، ويقيّد المساعدات الخارجية، ويحد من نقل التكنولوجيا، خاصة تلك ذات الاستخدام المزدوج.
وتعكس هذه القيود تأثيراً واسعاً يتجاوز الجانب القانوني، إذ تخلق بيئة عالية المخاطر للمستثمرين الدوليين، الذين يخشون التعرض لملاحقات قضائية أو خسائر مالية نتيجة التعامل مع دولة مصنفة ضمن قائمة الإرهاب.
ويرى خبراء أن استمرار هذا التصنيف لا يعرقل فقط الاستثمارات المباشرة، بل يحد أيضاً من قدرة سوريا على استخدام أدوات مالية أساسية، بما في ذلك حساباتها المصرفية الدولية، ما يضعف قدرتها على تنفيذ أنشطة تجارية طبيعية.
في هذا السياق، أشار المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية أليكس زيردن إلى أن هذا التصنيف يمثل العائق القانوني الأهم أمام إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، بسبب تداعياته الثانوية التي تؤثر على ثقة المؤسسات المالية.
وتشمل هذه التداعيات مخاوف من التعرض لدعاوى قانونية مرتبطة بملفات الإرهاب، إضافة إلى مخاطر السمعة التي تجعل العديد من الشركات تتجنب العمل في السوق السورية، حتى في ظل تخفيف بعض العقوبات الأخرى.
ورغم إلغاء قانون “قيصر” العام الماضي، والذي كان يشكل أحد أبرز أدوات الضغط الاقتصادي على دمشق، فإن استمرار إدراج سوريا على قائمة الإرهاب أبقى القيود الأساسية قائمة، ما حدّ من تأثير أي تخفيف جزئي للعقوبات.
في موازاة ذلك، اتخذت الحكومة السورية خطوات لإعادة الاتصال بالنظام المالي العالمي، شملت استئناف العلاقات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وإعادة تفعيل حسابها لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لأول مرة منذ عام 2011.
كما عملت دمشق على استعادة الاتصال بشبكة “سويفت”، في محاولة لتسهيل التحويلات المالية الدولية، وجذب استثمارات من دول الخليج وتركيا في قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والطاقة والخدمات.
إلا أن هذه الخطوات تبقى محدودة التأثير في ظل القيود القانونية الأمريكية، التي تمنع استخدام هذه القنوات بشكل كامل، حيث لا يمكن توظيف الحسابات المالية لأغراض تجارية دون التعرض لخطر المصادرة.
في هذا الإطار، أشار محافظ مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إلى أن استخدام الأصول السورية في الأنشطة التجارية قد يؤدي إلى تجميدها فوراً، ما يعكس حجم القيود المفروضة على النظام المالي السوري.
إضافة إلى ذلك، لا تزال سوريا مدرجة على القائمة الرمادية لفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، ما يزيد من تعقيد بيئة الأعمال، ويُبقي على مستوى مرتفع من التدقيق والمخاطر المرتبطة بالاستثمار.
وتعكس هذه التحديات أن مسار التعافي الاقتصادي السوري يعتمد بشكل كبير على القرار الأمريكي بشأن رفع التصنيف، الذي يُعد بوابة أساسية لاستعادة الثقة الدولية وإعادة تدفق رؤوس الأموال.
في الوقت نفسه، تواصل المؤسسات الدولية تقديم دعم فني لسوريا، حيث أرسل صندوق النقد الدولي عدة بعثات لمساعدة دمشق في تحسين السياسات الاقتصادية وتعزيز قدراتها الرقابية، رغم استمرار فجوات البيانات التي تعيق التقييم الكامل للاقتصاد.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74808