قراءة في الضغوط الأمريكية على الإمارات بسبب علاقاتها مع الصين

أبرزت دراسة نشرها معهد واشنطن في الشرق الأوسط، تداعيات الضغوط الأمريكية على دولة الإمارات العربية المتحدة بسبب علاقاتها مع الصين لاسيما في مجال التكنولوجيا.

وأشارت الدراسة إلى أنه في كانون الثاني/يناير، طلبت “اللجنة المعنية بالحزب الشيوعي الصيني” في مجلس النواب الأمريكي من وزارة التجارة الأمريكية التحقيق في شركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية “مجموعة 42 القابضة (“جي 42″)”.

وجاء ذلك على خلفية شكوك حول علاقاتها بكيانات صينية مدرجة على القائمة السوداء، وقد جاء ذلك الطلب بعد أشهر من الضغوط الأمريكية في هذا الصدد بعيداً عن الأضواء.

على سبيل المثال، في حزيران/يونيو 2023 أفادت بعض التقارير أن مسؤولين في البيت الأبيض أعربوا عن مخاوفهم بشأن شركة “جي 42” خلال اجتماعهم مع رئيس الشركة الشيخ طحنون بن زايد، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن الوطني في دولة الإمارات.

وفي شباط/فبراير الماضي، وفي تأكيد واضح على هذه المخاوف، أعلنت شركة “جي 42” بأن ذراعها الاستثماري قد سحب كامل استثماراتها من الشركات الصينية، بما في ذلك أسهم بقيمة 100 مليون دولار في شركة “بايت دانس”، المالكة لتطبيق “تيك توك” المثير للجدل.

وعلى الرغم من هذه الخطوة الواعدة، ليست “جي 42” الشركة الوحيدة في الإمارات التي تتعاون مع الصين في مجال التقنيات المتقدمة، كما أن هذه ليست المرة الأولى التي تؤدي فيها المنافسة الأمريكية مع بكين إلى تعقيد العلاقات مع أبوظبي.

وبينما توطد دول المنطقة علاقاتها مع الصين في قطاعات متعددة، سيستمر الكثير منها في اختبار حدود صبر الولايات المتحدة وتقبلها للمخاطر، والإمارات ليست استثناءً.

“جي 42” والمخاوف الأوسع نطاقاً بشأن التكنولوجيا الصينية

تأسست شركة “جي 42” في عام 2018 ويترأسها الشيخ طحنون منذ عام 2021. وهي شركة ذكاء اصطناعي شاملة تركز على الأبحاث المتعلقة بتعلم الآلة والبيانات الضخمة ومعالجة اللغات الطبيعية عبر مجموعة من القطاعات، من الحكومة إلى الرعاية الصحية والتمويل.

وتشكل الشركة في الأساس الذراع التنفيذي لاستراتيجية وطنية طموحة تدعو الإمارات إلى “بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي” و”أن تصبح من الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2031″.

وتحقيقاً لهذه الغاية، دخلت شركة “جي 42” في الاقتصاد الإماراتي إذ وقّعت صفقة مع شركة أبوظبي التنموية القابضة (“القابضة”) بعد عام واحد فقط من تأسيسها، ثم أطلقت مشروعاً مشتركاً مع شركة بترول أبوظبي الوطنية (“أدنوك”) في عام 2020.

علاوةً على ذلك، جرى مؤخراً تعيين الشيخ طحنون رئيساً جديداً لـ “مجلس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة” في البلاد.

أما الرئيس التنفيذي لشركة “جي 42” فهو بينغ شياو، شخصية مثيرة للجدل تخلى عن جنسيته الأمريكية مقابل الحصول على الجنسية الإماراتية.

وكان يرأس سابقاً شركة “بيغاسوس” التابعة لشركة “داركماتر غروب” التي تتخذ من الإمارات مقراً لها والمتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة للخصوصية داخل البلاد وخارجها.

وقبل تأسيس شركة “جي 42″، أبرم صفقة بين شركة “بيغاسوس” وعملاق التكنولوجيا الصيني “هواوي”، برزت من خلال ترويج الأخيرة تطبيق “توتوك”، وهو تطبيق مراسلة مثير جداً للجدل مرتبط بكل من “جي 42″ و”داركماتر”.

وفي هذا الإطار، أشارت “لجنة مجلس النواب” الأمريكي في رسالتها الموجهة إلى وزارة التجارة في كانون الثاني/يناير إلى أن “شياو يرتبط ويعمل مع شبكة واسعة من الشركات في الإمارات و[الصين] تعمل على تطوير تقنيات مزدوجة الاستخدام وتدعم مادياً الانصهار بين الجيش والمجتمع المدني وانتهاكات حقوق الإنسان في جمهورية الصين الشعبية”.

وتشمل هذه الشركات الصينية شركة “بي جي آي جينوميكس” التي أدرجتها وزارة الدفاع الأمريكية على القائمة السوداء في عام 2021 باعتبارها كيان عسكري صيني رسمي.

بالإضافة إلى ذلك، تواجه الشركة احتمال أن يحظرها الكونغرس من العمل في الولايات المتحدة بسبب علاقاتها الوثيقة مع الدولة الصينية والمخاوف بشأن التطبيقات العسكرية لأبحاثها.

ومن الجدير بالذكر أن شركة “جي 42” عقدت خلال جائحة “كوفيد-19” شراكة مع شركة “بي جي آي” للكشف عن الفيروسات كما عملت أيضاً مع شركة صينية أخرى، وهي “سينوفارم”، على إنتاج اللقاحات. وفي آذار/مارس 2023، دخلت مجدداً في شراكة مع “بي جي آي” في إطار برنامج الجينوم الإماراتي.

ولا تقتصر التوترات على الصعيد التقني بين الإمارات وواشنطن على شركة “جي 42” فقط. ففي عام 2019، تعاقدت شركة “اتصالات” الإماراتية مع شركة “هواوي” لبناء أبراج الجيل الخامس – وهو الترتيب الذي أثار غضب الولايات المتحدة في ظل إدارتي ترامب وبايدن.

وقد تعمقت علاقات الإمارات مع الشركة منذ ذلك الحين وفقاً للصفقات المتعددة التي تم الإعلان عنها في العام الماضي (في شباط/فبراير، وأيلول/سبتمبر، وكانون الأول/ديسمبر) وصفقة واحدة في شباط/فبراير هذا العام.

ويرى المسؤولون الأمريكيون شركة “جي 42” وغيرها من المساعي التكنولوجية الإماراتية مع الصين كمخاطر كامنة تهدد المعلومات والتكنولوجيا المملوكة للولايات المتحدة – وفي بعض الحالات على الأمن القومي أيضاً.

ومن وجهة نظرهم، فإن وجود الشركات الصينية ينطوي على مخاطر التجسس المؤسسي والفني ضد الكيانات الأمريكية عندما تعمل ضمن الشبكات نفسها.

ومع ذلك، فإن عدداً قليلاً جداً من المسؤولين في المنطقة يشاركون هذه المخاوف. على سبيل المثال استنكر وزير الذكاء الاصطناعي الإماراتي هذه الحجج، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على وضع ضمانات للتخفيف من مخاطر الخصوصية والأمن.

“جي 42” عالقة بين الشركات المنافسة للقوى العظمى

على الرغم من المخاوف الأمريكية الحالية بشأن العلاقات بين الإمارات والصين، أوضح القادة الإماراتيون أنهم سيرسمون مساراً مستقلاً في هذا العصر الذي يشهد منافسة متزايدة بين القوى العظمى.

وكما قال المستشار الدبلوماسي للرئيس محمد بن زايد في عام 2022، “ليس للإمارات مصلحة في اختيار جانب بين القوى العظمى”، وتفضل اعتماد “نهج متعدد الطبقات” في شراكاتها المختلفة.

وسعياً لتحقيق هذا التوازن، قد تقوم أحياناً السياسة الخارجية للحكومة “بزيادة التعامل مع الصين وخفضه مع أمريكا على جميع الجبهات”، على حد تعبير أحد المراقبين الإماراتيين البارزين في عام 2021.

تنبع بعض هذه الحسابات من الواقع الاقتصادي في أبوظبي:

تعد الصين الشريك التجاري الأول للإمارات، إذ ارتفعت تجارتهما غير النفطية بنسبة 20% تقريباً بين عامي 2021 و2022، لتتجاوز 70 مليار دولار في ذلك العام وفقاً لمسؤولين إماراتيين.

منذ عام 2022، وفّرت الإمارات 7 في المائة تقريباً من واردات الصين من النفط الخام و6 في المائة من وارداتها من المنتجات النفطية. ويشمل ذلك ما يقرب من 480 ألف برميل من النفط الخام يومياً، أي بزيادة قدرها حوالي 40 في المائة عن العام الذي سبق.

تُعتبر الإمارات أكبر مركز للشركات الصينية في المنطقة ونقطة عبور لحوالي 60 في المائة من التجارة الصينية المتدفقة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً لوزارة الخارجية الإماراتية.

وبالمثل، أشارت تقديرات عام 2019 إلى أن ما يقرب من ثلثَي الصادرات الصينية إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا تدفقت عبر الموانئ الإماراتية.

كما أشار السفير الصيني تشانغ يي مينغ في عام 2022 إلى أن الإمارات كانت الوجهة الإقليمية الأولى لصادرات بلاده.

وفقاً لبعض التقارير، تحتل الصين المرتبة الثالثة في الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات، بعد بريطانيا والهند.

خلاصة القول، لا يمكن لواشنطن أن تتفاجأ أو تستاء عندما تتخذ الإمارات – وهي إحدى أكثر الاقتصادات تقدماً في الشرق الأوسط – خطوات لتعزيز علاقتها الاقتصادية القوية مع قوة عالمية مثل الصين.

لكن في الوقت نفسه، تشير المشاريع مثل شركة “جي 42” إلى أن الإمارات لا تتردد بشأن تعميق علاقاتها مع بكين بطرق قد تعرض المصالح الأمريكية لمخاطر غير مقبولة.

وأبرز الأمثلة على ذلك تطويرها لميناء خليفة في أبوظبي، حيث كشفت السلطات الأمريكية في عام 2021 أن الصين كانت تقوم ببناء منشأة عسكرية على مسافة كيلومترات من القوات الأمريكية في “قاعدة الظفرة الجوية”.

وقد ساهم هذا الاكتشاف في انحراف مسار المفاوضات التي سعت فيها الإمارات إلى الحصول على طائرات “إف-35” وطائرات مسيرة من طراز “إم كيو-9” وذخائر دقيقة بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة.

وادعت أبوظبي وقف العمل على هذه المنشأة في عام 2021 وأصرت على أنها ذات طبيعة مدنية. ومع ذلك، لا يزال وضع المشروع وتداعياته على العلاقة ككل بين البلدين حساسة.

وعلى غرار حادثة شركة “جي 42″، تكشف حادثة الميناء عن حقيقة كامنة بشأن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وهي أن العلاقات الاقتصادية مع بكين تترافق غالباً مع تداعيات أمنية قد تهدد جوانب من علاقة البلاد مع الولايات المتحدة.

الخاتمة

لعل التعامل مع مسألة شركة “جي 42” قد بلور نموذجاً فعالاً لمعالجة المسائل الأمنية المتعلقة بالصين مع شركاء الولايات المتحدة – أي أن واشنطن شاركت مخاوفها المحددة بشأن شركة معينة مباشرة مع المسؤولين الإماراتيين، الذين قاموا بدورهم بتعديل علاقات الشركة مع شركات صينية محددة.

فملاحقة مشروع “جي 42” بأكمله أمر محكوم بالفشل نظراً لمدى أهمية الشركة في المساعي الوطنية الإماراتية في مجال الذكاء الاصطناعي، كما أدرك المسؤولون الأمريكيون أن الشركة مقربة من النخبة الإماراتية الحاكمة.

غير أن الضغوط التي مارسها كل من الكونغرس الأمريكي والسلطة التنفيذية – سواء كان منسقاً أم لا – أدت دوراً فعالاً في الإضاءة على خطورة المسألة، حتى إن الرئيس التنفيذي لشركة “جي 42” أقرّ مؤخراً بأن الشركة “لم تعد قادرة على العمل مع كلا الجانبين”، وتعهد بسحب استثماراتها بالكامل من الصين.

ومع ذلك، قد لا تهدأ مخاوف الولايات المتحدة تماماً لمجرد سحب الاستثمارات – رغم أنه موضع ترحيب. وفي معرض الرد على خطاب الكونغرس في كانون الثاني/يناير، أفادت شركة “جي 42” أنها تعمل في “ظل امتثال صارم وحدود أخلاقية”.

لكنها لم تحدد ما تعنيه هذه الصياغة في إطار البيئة الحالية حيث يواصل الذكاء الاصطناعي تطوره السريع بينما لم يضع المجتمع الدولي معايير واضحة للقطاع ولم يوائم بين السياسات والتقدم المحرز.

وبناءً على ذلك، من الضروري أن تستمر الولايات المتحدة في مساءلة شركة “جي 42” من خلال مواصلة مراقبتها والتواصل مع المسؤولين الإماراتيين.

وينبغي عليها أيضاً أن تحوّل إنجازاتها السياسية التي حققتها مع أبوظبي إلى دليل تسترشد به الدول الأخرى التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين التعاون التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.

ويعني ذلك الاستعداد لعقد إحاطات مخصصة رفيعة المستوى مع الشركاء في الشرق الأوسط حول مخاوف محددة تتعلق بالصين، ومتابعة هذه المناقشات بدبلوماسية تتسم بالصبر والشفافية.

يتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تجمع شركاء متوافقين في الرأي للمساعدة في صياغة معايير وتعريفات دولية للسيادة الرقمية والخصوصية.

وبحسب الدراسة فإنه من شأن وضع معايير واضحة وتعزيزها عالمياً أن يمكّن واشنطن من تعزيز شراكاتها الأمنية وحماية المعلومات في الوقت نفسه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.