
شهدت العلاقات الإيرانية الكويتية تصعيداً جديداً بعد تبادل تصريحات حادة على خلفية الهجمات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في الكويت، في تطور يعكس تراجعاً ملحوظاً في العلاقات التي انتقلت خلال العقود الماضية من التعاون بعد حرب الخليج إلى تبادل الاتهامات بشأن الأمن الإقليمي والوجود العسكري الأمريكي.
وجاء التصعيد بعدما اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الكويت بالتنكر لما وصفه بمواقف إيران الداعمة لها خلال حرب الخليج، مؤكداً أن طهران التزمت على الدوام بسياسة حسن الجوار، في تصريحات جاءت عقب استهداف قواعد أمريكية داخل الأراضي الكويتية بصواريخ إيرانية.
في المقابل، نفت الكويت استخدام قواعدها الجوية لتنفيذ هجمات أمريكية ضد إيران، ووصفت القصف الإيراني بأنه “عدوان إجرامي”، مؤكدة تمسكها بعدم استخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية لشن عمليات هجومية ضد أي دولة.
ويأتي هذا التوتر بعد مسار طويل من العلاقات المتقلبة بين البلدين، إذ دعمت الكويت العراق مالياً ولوجستياً خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، وقدمت مليارات الدولارات من القروض، كما سمحت باستخدام موانئها لنقل الإمدادات العسكرية إلى بغداد، مدفوعة بمخاوف من تداعيات الثورة الإسلامية الإيرانية على أمن الخليج.
وخلال تلك المرحلة، اتهمت إيران باستهداف ناقلات نفط كويتية ومنشآت داخل الكويت، بينها السفارتان الأمريكية والفرنسية ومطار الكويت الدولي، إضافة إلى عمليات خطف طائرات، رغم استمرار الجدل بشأن مدى مسؤولية الدولة الإيرانية المباشرة عن تلك الهجمات.
لكن المشهد تغير بصورة كبيرة بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، عندما فتحت إيران حدودها أمام آلاف اللاجئين القادمين من الكويت، بمن فيهم مواطنون كويتيون وأجانب وعراقيون وعديمو الجنسية، وأقامت مخيمات لإيوائهم في محافظة خوزستان، كما وفرت لهم الغذاء والمأوى ونظمت رحلات لإجلاء العالقين.
كما ساهمت طهران في جهود إخماد حرائق آبار النفط الكويتية التي أشعلتها القوات العراقية المنسحبة عام 1991، حيث أوفدت فريقاً ضم عشرات الخبراء والمهندسين للمشاركة في السيطرة على الحرائق، وتمكن الفريق الإيراني من إغلاق عشرات الآبار المتضررة في واحدة من أكبر عمليات إطفاء حرائق النفط في التاريخ.
وساعد هذا التعاون على تحسين العلاقات بين البلدين خلال تسعينيات القرن الماضي، مع توسع الاتصالات السياسية والتجارية والأمنية وإدارة الخلافات بصورة أقل حدة.
غير أن المشهد تبدل مجدداً مع توسع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بعد حرب تحرير الكويت، إذ أصبحت الكويت تستضيف خمس قواعد عسكرية أمريكية، وهي أكبر كثافة للقواعد الأمريكية في دولة واحدة بالمنطقة، إضافة إلى وجود نحو 13 ألفاً و500 جندي أمريكي.
وتعتبر إيران هذا الوجود العسكري تهديداً مباشراً لأمنها القومي، بينما تؤكد الكويت أن القواعد الموجودة على أراضيها ذات طبيعة دفاعية ولا تستخدم لشن عمليات هجومية، رغم تقارير إعلامية تحدثت عن دور لوجستي للقواعد الأمريكية في العمليات العسكرية الأخيرة ضد إيران.
وزادت حدة الجدل بعد تقارير تحدثت عن مشاركة منشآت عسكرية في الكويت في دعم العمليات الأمريكية، إضافة إلى إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالدعم الذي قدمته الكويت وعدد من دول الخليج خلال الحرب الأخيرة ضد إيران، وهو ما اعتبره محللون إيرانيون دليلاً على انحياز الكويت إلى الجانب الأمريكي.
وفي تطور آخر، صادقت الكويت على اتفاقية دفاعية جديدة لمدة خمس سنوات مع باكستان، تشمل التدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون التقني، وهو ما أثار اهتماماً في الأوساط الإيرانية نظراً لتزامنه مع استمرار التوتر في المنطقة، رغم أن باكستان تؤدي أيضاً دور الوسيط في الاتصالات بين طهران وواشنطن.
ويرى مراقبون أن الاتفاقية تعكس توجهاً كويتياً لتعزيز شراكاتها الأمنية في ظل التطورات الإقليمية، بينما يتوقع أن تواصل إيران مراقبة هذه التحركات عن كثب، مع الحرص على عدم تحويل الخلافات الحالية إلى قطيعة شاملة مع الكويت.
ويعكس التصعيد الأخير حجم التحول الذي شهدته العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية، بعدما انتقلت من مرحلة التعاون الإنساني وإعادة بناء الثقة عقب حرب الخليج إلى مرحلة يغلب عليها الحذر والاتهامات المتبادلة، في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة واتساع تأثيره على دول الخليج.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75454


