واشنطن تجمّد شحنات الدولار للعراق وتعلق التعاون الأمني

أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تعليق شحنات الدولار الأمريكي إلى العراق وتجميد أجزاء من برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي، في خطوة تعكس تصعيدًا واضحًا للضغط على بغداد لدفعها نحو تفكيك الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين وعراقيين.

وأفادت الصحيفة بأن وزارة الخزانة الأمريكية أوقفت مؤخرًا شحنة جوية من الدولار تُقدّر بنحو 500 مليون دولار، كانت مخصصة للبنك المركزي العراقي.

وتمثل هذه الأموال عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والتي تُدار ضمن آلية مالية تخضع لإشراف أمريكي مباشر.

وأوضح مسؤولون أن قرار التعليق جاء نتيجة مخاوف متزايدة داخل واشنطن من احتمال تسرب هذه الأموال إلى الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، في ظل ضعف الرقابة على حركة النقد داخل العراق.

ويُعد هذا الإجراء ثاني حالة تأجيل لشحنات الدولار منذ اندلاع التوترات والحرب مع إيران في أواخر فبراير، ما يعكس تحولًا في السياسة الأمريكية من المراقبة إلى الضغط المالي المباشر.

وربطت واشنطن قرارها بسلسلة من الهجمات التي نفذتها ميليشيات عراقية ضد أهداف ومصالح أمريكية داخل العراق وفي دول مجاورة، والتي اعتُبرت رسائل دعم لطهران في سياق المواجهة الإقليمية.

وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار تدفق الأموال النقدية دون قيود قد يساهم بشكل غير مباشر في تمويل هذه الجماعات أو تعزيز قدرتها التشغيلية.

ووسّعت الولايات المتحدة نطاق الضغط ليشمل الجانب الأمني، حيث أبلغت الحكومة العراقية بقرار تعليق تمويل بعض برامج مكافحة الإرهاب، إضافة إلى وقف أجزاء من برامج التدريب العسكري التي كانت تُنفذ بالتعاون مع القوات المسلحة العراقية.

ويشمل ذلك برامج تطوير القدرات القتالية والتدريب الاستخباراتي، التي كانت تُعد ركيزة أساسية في الشراكة الأمنية بين البلدين.

وأكد مسؤولون من الجانبين أن استئناف هذه البرامج بات مشروطًا بوقف الهجمات التي تنفذها الميليشيات، واتخاذ خطوات ملموسة من قبل الحكومة العراقية لتفكيك هذه الجماعات أو تقليص نفوذها. وتضع واشنطن هذا الشرط كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة ضبط التوازن داخل العراق وتقليص النفوذ الإيراني.

وتعكس هذه الإجراءات تحولًا في أدوات الضغط الأمريكية، حيث انتقلت من الاعتماد على التنسيق السياسي إلى استخدام أدوات مالية مباشرة، تشمل التحكم في تدفق الدولار الذي يُعد عنصرًا حيويًا في استقرار الاقتصاد العراقي.

ويعتمد العراق بشكل كبير على هذه الشحنات النقدية لتغطية الطلب المحلي على العملة الصعبة، ما يجعل أي تعطيل لها ذا تأثير مباشر على الأسواق.

وتشير التقديرات إلى أن تأجيل شحنات الدولار قد يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف داخل العراق، ويزيد من الضغوط على النظام المصرفي، خاصة في ظل اعتماد قطاعات واسعة على النقد في التعاملات اليومية. كما قد يفتح المجال أمام السوق الموازية للعملة للتوسع، في حال استمرار القيود على الإمدادات الرسمية.

في المقابل، تواجه الحكومة العراقية تحديًا معقدًا في التعامل مع هذه الضغوط، إذ يتطلب تفكيك الميليشيات توازنات داخلية حساسة، نظرًا لارتباط هذه الجماعات ببنية سياسية وأمنية متداخلة.

ويزيد من تعقيد المشهد أن بعض هذه الفصائل تُعد جزءًا من المنظومة الأمنية الرسمية، ما يجعل التعامل معها مسألة تتجاوز البعد الأمني إلى أبعاد سياسية داخلية.

ويأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي متوتر، حيث تتقاطع الأزمة العراقية مع المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. وتسعى واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى تقليص قدرة طهران على استخدام العراق كساحة نفوذ مالي وعسكري، عبر الضغط على القنوات التي يمكن أن تُستخدم في دعم حلفائها.

وتُظهر التطورات أن الولايات المتحدة تستخدم مزيجًا من الأدوات الاقتصادية والأمنية لإعادة تشكيل المشهد في العراق، مع التركيز على تجفيف منابع التمويل التي قد تصل إلى الجماعات المسلحة.

وفي ظل استمرار التوترات، تبقى العلاقة بين واشنطن وبغداد مرهونة بمدى استجابة الحكومة العراقية لهذه المطالب، وقدرتها على فرض سيطرة أكبر على الفاعلين المسلحين داخل البلاد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.