كشف تقييم عسكري سعودي أن نحو نصف الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة العربية السعودية خلال الأسابيع الماضية انطلقت من داخل العراق، في مؤشر على اتساع رقعة المواجهة وتحولها إلى حرب غير مباشرة متعددة الساحات.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة بأن الميليشيات العراقية المدعومة من إيران أطلقت مئات الطائرات المسيّرة المفخخة خلال أكثر من خمسة أسابيع من القتال، ضمن تصعيد ميداني يواكب الحرب الأوسع في المنطقة.
وأوضحت الصحيفة أن عدد الهجمات على السعودية اقترب من ألف هجوم، استهدفت منشآت حيوية، من بينها مصفاة ينبع على ساحل البحر الأحمر وحقول النفط في المنطقة الشرقية، ما يعكس مستوى غير مسبوق من الضغط على البنية التحتية للطاقة.
وقد امتد نطاق الهجمات إلى دول خليجية أخرى، حيث استهدفت طائرات مسيّرة أُطلقت من العراق مطار الكويت المدني، فيما طالت هجمات أخرى البحرين، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في وقت سابق.
كما شملت العمليات استهداف مصالح خليجية داخل العراق، بما في ذلك القنصلية الكويتية في البصرة ومقرات دبلوماسية تابعة للإمارات في إقليم كردستان، ما يعكس اتساع ساحة الاشتباك خارج الحدود التقليدية.
وتأتي هذه التطورات في سياق الحرب التي اندلعت أواخر فبراير، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حيث ردت طهران بإطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف إقليمية.
وأدى انخراط الميليشيات العراقية، إلى جانب حزب الله في لبنان، إلى توسيع نطاق القدرات الهجومية لإيران، عبر توزيع الضغط العسكري على عدة جبهات، بدلاً من المواجهة المباشرة.
ويحذر مسؤولون أمريكيون من أن هذه الجماعات تخطط لمزيد من الهجمات، في وقت تعرضت فيه السفارة الأمريكية في بغداد لهجمات متكررة، ما دفع واشنطن إلى تقليص وجودها الدبلوماسي هناك.
وتعود جذور هذه الميليشيات إلى مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث نشأت ضمن بيئة أمنية مضطربة، وتطورت لاحقاً إلى قوة عسكرية تضم نحو ربع مليون مقاتل، مع ترسانة تشمل صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة.
وبرزت من بين هذه الجماعات فصائل مثل “كتائب حزب الله” و“عصائب أهل الحق”، التي تمتلك نفوذاً واسعاً داخل العراق، وترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، ما يمنحها دوراً محورياً في الصراع الحالي.
وشهدت طبيعة الحرب تحولاً واضحاً، حيث لم تكن هذه الميليشيات في الواجهة خلال المواجهات السابقة، لكنها باتت اليوم تتحرك بمرونة أكبر، ويُعتقد أن بعضها يعمل ضمن هيكل القيادة العسكرية الإيرانية بشكل مباشر.
وعزز هذا التحول زيارة الجنرال إسماعيل قاآني، قائد في الحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد، في خطوة تشير إلى تنسيق ميداني متقدم مع هذه الفصائل.
وترى دول الخليج أن العراق تحول إلى ساحة مفتوحة لتبادل الضربات، يمكن من خلالها الرد على إيران دون استهداف أراضيها مباشرة، ما يقلل من مخاطر التصعيد المباشر لكنه يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وأشار الباحث مايكل نايتس إلى أن العراق يمثل “ساحة مفتوحة للجميع”، موضحاً أن أي طرف يسعى لإثبات قدرته على الرد سيجد في هذه الساحة مساحة مناسبة لذلك.
في هذا السياق، يتوقع محللون أن تلجأ السعودية إلى ضربات محدودة داخل العراق كرسائل ردع، بينما قد تسمح دول مثل الكويت والبحرين باستخدام أراضيها لعمليات أمريكية ضد هذه الميليشيات.
وتفاقمت التوترات بين بغداد وجيرانها الخليجيين، حيث أكد مسؤولون في مجلس التعاون الخليجي أن نفوذ بعض الميليشيات بات يتجاوز سلطة الدولة العراقية، ما يضعف قدرة الحكومة على ضبط الأمن.
وأشار عبد العزيز العويشق الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والتفاوضية في مجلس التعاون الخليجي، إلى أن هذه الجماعات أصبحت في بعض الحالات أقوى من مؤسسات الدولة، في وضع يشبه نموذج حزب الله في لبنان، ما يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي.
يأتي ذلك في ظل أزمة سياسية داخلية في العراق، أعقبت الانتخابات الأخيرة، حيث أدت الخلافات إلى إضعاف الحكومة، ما قلل من قدرتها على مواجهة نفوذ الميليشيات أو احتوائها.
وتعكس هذه التطورات تحوّل الحرب إلى نموذج “حرب وكلاء”، حيث تستخدم إيران شبكة من الحلفاء لشن هجمات متعددة، في محاولة لإرباك خصومها ورفع كلفة المواجهة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74817