تسعى مدينة نيوم السعودية إلى ترسيخ مكانتها كمركز لوجستي جديد من خلال تطوير ممر تجاري يربط بين الأسواق الأوروبية والخليجية.
ويهدف ميناء نيوم، وهو جزء من المشروع الضخم الذي تبلغ تكلفته 500 مليار دولار، إلى تجاوز مضيق هرمز للوصول إلى أسواق التصدير العالمية ومواصلة النشاط التجاري.
وتم إغلاق المضيق – الذي يمر عبره عادةً حوالي خُمس نفط العالم – بشكل فعلي خلال الحرب الإيرانية، لكن طهران أعلنت يوم الجمعة أنه “مفتوح بالكامل”.
ويُعد ميناء نيوم بوابة استراتيجية على البحر الأحمر، تربط الإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق بالأسواق الأوروبية عبر الشاحنات والسفن. كما تُشكّل مصر، الدولة العربية الأكثر اكتظاظاً بالسكان، جزءاً من هذا الممر.
ويشكل هذا الميناء جزءاً من أوكساغون، وهي مدينة صناعية ضمن مشروع نيوم المستقبلي الذي تعمل المملكة على تطويره في إطار سعيها لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط. وقد استثمرت نيوم أكثر من 7.5 مليار ريال سعودي (ملياري دولار أمريكي) في تطوير هذا الميناء المستدام.
وقالت إيرينا تسوكرمان، المحللة الجيوسياسية في نيويورك “يتم جر نيوم إلى مرحلة أكثر واقعية … ينصب التركيز الآن على ما يمكن بناؤه وتمويله واستدامته ضمن حدود أوضح”.
وأضافت: “يتجه الاهتمام نحو المجالات التي يمكن أن تُظهر تقدماً ملموساً واستخداماً اقتصادياً أوضح، لا سيما في مجالات الخدمات اللوجستية والصناعة والطاقة… الرقابة أكثر مباشرة، ومن المتوقع أن يُظهر كل جزء أهميته، ويجذب الشركاء، ويتناسب مع إطار اقتصادي أوسع.”
وتستثمر السعودية بكثافة في قطاعات مثل البنية التحتية والسياحة والعقارات لتحفيز النمو في قطاعها غير النفطي.
وتُنقل البضائع من الدول الأوروبية بالشاحنات إلى ميناء ترييستي الإيطالي، ومن ثم تُشحن إلى مصر، عبر السفن إلى ميناء دمياط، ثم بالشاحنات إلى ميناء سفاجا، وأخيراً إلى ميناء نيوم عبر السفن. ومن هناك، تُنقل البضائع براً إلى وجهات في منطقة الخليج والعراق.
وقالت نيوم هذا الأسبوع إن هذا الطريق يُستخدم بالفعل بنشاط من قبل مستوردين من عدة دول أوروبية، بما في ذلك إيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا وبولندا. وقد ازدادت أهميته مع استمرار إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مما دفع دول الخليج والعراق للبحث عن طرق بديلة لنقل البضائع العامة والنفط الخام.
“هناك عملية إعادة ضبط واضحة جارية”، هذا ما قاله أوليفر كورنوك، رئيس التحرير العالمي لمجموعة أكسفورد للأعمال.
وأضاف: “بينما ركزت الروايات المبكرة على المشاريع الرائدة مثل مشروع ذا لاين، فإن التركيز الاستراتيجي يتحول الآن نحو الوظائف الصناعية واللوجستية، لا سيما حول أوكساغون وميناء نيوم.”
وأشار إلى أن تنويع المسارات أصبح الآن بنفس أهمية المشاريع الضخمة الرئيسية، خاصة عندما تم إغلاق مضيق هرمز.
وتوفر الموانئ السعودية مثل ينبع وجدة بالفعل بدائل للمملكة ودول الخليج، ويعمل ميناء نيوم على تعزيز الطرق البديلة بشكل أكبر.
وقال كورنوك: “في هذا السياق، تتطور نيوم لتصبح مركزاً عملياً ضمن الممر اللوجستي الأوسع للبحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، مكملةً بذلك المراكز القائمة مثل ينبع”.
ويتعامل ميناء نيوم مع مجموعة متنوعة من البضائع بما في ذلك الحاويات والبضائع السائبة والبضائع ذات العجلات، لمساعدة المملكة على لعب دور حاسم في التغلب على تحديات سلسلة التوريد.
وقالت ميليسا بليك، مديرة العمليات في ميناء نيوم “نحن نبني ميناءً كهربائياً بالكامل حيث تعمل المعدات والمركبات بالطاقة من الألواح الشمسية وتخزين البطاريات والطاقة المستعادة التي يتم تغذيتها مرة أخرى إلى النظام، مما يخلق اقتصاداً دائرياً للطاقة”.
ويقول موقع نيوم الإلكتروني إن محطة الحاويات الجديدة T1، التي تقترب من الاكتمال، مصممة على نطاق واسع مع قناة وصول بطول 550 مترًا، وغاطس 18.5 مترًا، وجدار رصيف بطول 900 متر لاستيعاب أكبر السفن في العالم.
ومن المقرر أن تدخل الرافعات الآلية بالكامل حيز التشغيل هذا العام، على أن تتبعها المركبات ذاتية القيادة والمستودعات المتكاملة.
وقالت تسوكرمان: “تتشكل نيوم كمجموعة من المشاريع ذات الجداول الزمنية والأدوار المختلفة. وتتقدم المكونات الصناعية واللوجستية والطاقة مع توافق أوضح مع الأولويات الوطنية”.
وتظهر ممرات تجارية جديدة مع تسبب الحرب الأمريكية الإيرانية في تعطيل الطرق القديمة، وأظهرت كيف يمكن حتى لممر مائي صغير نسبياً مثل مضيق هرمز أن يكون له آثار هائلة على التجارة العالمية.
واستخدمت السعودية والإمارات وهما أكبر اقتصادين في العالم العربي، خطوط الأنابيب لتصدير النفط الخام عندما تم إغلاق الممر المائي.
وتُصدّر المملكة النفط عبر خط أنابيب النفط الخام الذي يربط بين بقيق شرقاً وينبع على البحر الأحمر، بينما تعتمد الإمارات على خط أنابيب يمتد من حبشان في أبوظبي إلى الفجيرة. أما العراق، فيُصدّر النفط عبر خط أنابيب ويستخدم الشاحنات لنقله إلى موانئ سوريا ومنها إلى الأسواق العالمية.
وفي الوقت نفسه، تتعاون الهيئة السعودية للموانئ وشركة جلفتاينر اللوجستية في الشارقة أيضاً في مشروع ممر تجاري جديد.
وبموجب هذه الشراكة، سيكون هناك اتصال مباشر بين الشارقة والدمام في شرق المملكة العربية السعودية يشمل النقل البحري والبري لتقليل أوقات العبور وتحسين كفاءة تدفق البضائع.
ويتضمن ذلك أيضاً دمج الموانئ من البلدين، بما في ذلك محطة خورفكان التجارية على الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تتجاوز مضيق هرمز، بالإضافة إلى مراكز الخدمات اللوجستية الداخلية مثل ميناء سجا الجاف في الشارقة.
كما توفر الفجيرة، بالإضافة إلى موانئ في سلطنة عمان مثل صحار والدقم، طرقًا تجارية بديلة.
وقال كورنوك: “نشهد في سلاسل إمداد الطاقة والتصنيع على حد سواء استثمارات أكبر في البنية التحتية البديلة، بما في ذلك خطوط الأنابيب وموانئ البحر الأحمر وبحر العرب، وزيادة في استخدام الخدمات اللوجستية متعددة الوسائط، مثل الممرات البحرية والجوية والبرية عبر آسيا الوسطى”.
وأضاف أن ينبع تُعد بالفعل مركزاً تصديرياً مهماً في البحر الأحمر، وقد تعززت بفضل ربط خطوط الأنابيب والتوسع الصناعي، في حين تظل جدة بوابة تجارية رئيسية، مع روابط شحن راسخة وقدرة لوجستية متنامية.
وتتمتع الفجيرة بموقع استراتيجي خارج مضيق هرمز، مع سهولة الوصول إلى خطوط الأنابيب وقدرات التزويد بالوقود. أما الدقم، فتبرز كمركز رئيسي في بحر العرب، ولديها طموحات في مجال التكرير والصناعة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74787