منظمة دولية: قوانين مكافحة الإرهاب في الإمارات “تغطي” حملة القمع على المعارضة السلمية

كشف تقرير جديد صادر عن منظمة صحفيات بلا قيود أن دولة الإمارات العربية المتحدة تستغل قانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 2014 كغطاء قانوني لشن حملة قمع واسعة ضد المعارضة السلمية والمجتمع المدني، في انحراف خطير عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

القانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2014، الذي أُقرّ في خضم صعود تنظيم الدولة الإسلامية واضطرابات إقليمية، صُمم ظاهريًا لمواجهة التهديدات الإرهابية. لكن التقرير المكون من 48 صفحة يؤكد أن الإمارات استخدمته أداةً للسيطرة السياسية أكثر من كونه وسيلة لتعزيز الأمن القومي.

ويشير التقرير إلى أن نصوص القانون فضفاضة للغاية، إذ يجرّم أفعالًا مبهمة مثل “إهانة الدولة”، أو “تقويض الوحدة الوطنية”، أو حتى “التهديد” و”السعي” لارتكاب جرائم إرهابية، وهي مصطلحات يمكن أن تشمل التعبير السلمي عن الرأي أو النشاط السياسي المشروع.

إسكات المعارضة

أبرز الأمثلة على هذا الاستخدام السياسي ما يُعرف بقضية الإمارات 94، حيث حوكم 94 ناشطًا بتهمة محاولة قلب نظام الحكم عقب الربيع العربي. كثير من المتهمين كانوا أعضاء في جمعية الإصلاح، المعروفة بتوجهها السلمي. ورغم انتهاء فترات محكوميات بعضهم، أعيدت محاكمتهم في 2022 و2023 ضمن القضية الجديدة المسماة الإمارات 84، باستخدام أحكام قانون مكافحة الإرهاب لتمديد عقوباتهم.

ومن أبرز الضحايا المحامي الحقوقي محمد الركن، الذي يقضي حكمًا بالسجن مدى الحياة بعد أن أنهى بالفعل عشر سنوات خلف القضبان. وبحسب التقرير، فإن تهمته الحقيقية كانت معارضته لسياسات إسقاط الجنسية التي تبنتها السلطات الإماراتية.

نساء وراء القضبان

لم تقتصر الانتهاكات على النشطاء الرجال. فقد سلط التقرير الضوء على قضية الناشطتين مريم البلوشي وأمينة العبدولي، اللتين تلقتا أحكامًا بالسجن لسنوات إضافية بعد نشرهما تسجيلات صوتية تحدثتا فيها عن التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون. الأمم المتحدة وصفت محاكمتهما بـ”الجائرة”، معتبرةً أن استمرار حبسهما يعكس إساءة استغلال قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات الأصوات المعارضة حتى من داخل الزنازين.

تجاوز للمعايير الدولية

التقرير أشار إلى أن العقوبات الإماراتية على الجرائم المزعومة تتجاوز بكثير ما تنص عليه المعايير الدولية. فبينما يُفترض أن يكون الاحتجاز محدد المدة وتحت إشراف قضائي، تسمح أبوظبي بالاعتقال إلى أجل غير مسمى في ما يسمى “مراكز المناصحة”، حتى بعد انتهاء العقوبة. كما تغيب أي آلية مستقلة للتحقيق في مزاعم التعذيب المنتشرة داخل السجون.

وأكدت صحفيات بلا قيود أن غياب التوقيع الإماراتي على معاهدات أساسية مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وعدم التزامها بتطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها بالفعل، يعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

قمع يمتد إلى العائلات

لم يسلم ذوو المعتقلين من العقوبات. فقد وثق التقرير تعرض عائلات السجناء السياسيين للمضايقات، من بينها المنع من السفر، والمراقبة المستمرة، والتخويف لمنعهم من التحدث علنًا أو التواصل مع منظمات حقوقية.

كما أدرجت السلطات أسماء نشطاء في المنفى، مثل محمد الزعابي وحمد الشامسي، على قوائم الإرهاب الداخلية، رغم أنهم يمارسون أنشطتهم الحقوقية من خارج البلاد، وهو ما اعتبرته المنظمة محاولة لشرعنة استهداف الأصوات المعارضة أينما كانت.

دعوات للإصلاح

أوصى التقرير المجتمع الدولي بممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية على الإمارات لدفعها نحو إصلاحات ملموسة. وشدد على ضرورة تعديل القانون لتوضيح اللغة الغامضة التي تتيح تجريم المعارضة السلمية، وضمان استقلالية القضاء وعلانية المحاكمات.

كما دعا إلى إلغاء نظام “الاحتجاز المفتوح” في مراكز المناصحة، وضمان أن تكون أي برامج “إعادة تأهيل” طوعية وليست وسيلة للانتقام السياسي.

وأوصت المنظمة بأن تتعاون الإمارات مع هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتسمح بزيارات قطرية مستقلة لتقييم أوضاع السجون، وإجراء تحقيقات شفافة في مزاعم التعذيب، مع محاسبة المسؤولين عنها.

واجهة أمنية لشرعنة القمع

التقرير خلص إلى أن تقديم الإمارات نفسها كـ”شريك رئيسي” في مكافحة الإرهاب عالميًا، يمنح غطاءً سياسيًا لسياساتها القمعية أمام الحكومات الغربية. غير أن الواقع، بحسب المنظمة، أن هذه القوانين لم تُستخدم لحماية الأمن بقدر ما استُخدمت لتثبيت الحكم الاستبدادي وتفكيك المجتمع المدني وتجريم أي تعبير سلمي عن المعارضة.

وأكدت صحفيات بلا قيود أن استمرار الوضع الحالي يهدد سمعة الإمارات على الصعيد الدولي، مشددة على أن الإصلاح الحقيقي يتطلب التراجع عن القوانين الاستثنائية، والانخراط الجاد في التزامات حقوق الإنسان التي طالما تجنبتها السلطات.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.