بدأ تحالف “أوبك+” تنفيذ واحدة من أهم عمليات المراجعة الفنية في تاريخه عبر الاستعانة بشركة استشارية أميركية لتقييم القدرات الإنتاجية الحقيقية للدول الأعضاء، في خطوة تستهدف إعادة ضبط حصص الإنتاج على أسس فنية دقيقة.
ويأتي هذا الإجراء، المزمع تطبيق نتائجه في عام 2027، في سياق حساس بالنسبة لدول الخليج التي تمثل العمود الفقري للتحالف، وتعد الأكثر تأثرًا بأي تغييرات في هيكل توزيع الحصص أو تعريفات “القدرة المستدامة القصوى”.
وتعكس الاستعانة بشركة ديغولير وماكنوتون – وهي جهة خبرة سبق أن راجعت احتياطيات أرامكو عام 2019 –رغبة التحالف في الخروج من حالة الجدل المستمر حول الأرقام المتضاربة لقدرات الإنتاج، لصالح تقييم محايد وموضوعي.
ومع ذلك، فإن تأثير هذه العملية سيتجاوز الجانب التقني ليصل إلى جوهر السياسة النفطية لدول الخليج خلال السنوات المقبلة.
خليجٌ يقود… ودول تتراجع
تكتسب عملية التدقيق أهمية خاصة لأن دول الخليج – وعلى رأسها السعودية، الإمارات والكويت – هي الأكثر قدرة على رفع الإنتاج أو الحفاظ على مستويات مرتفعة على مدى طويل.
في المقابل، تكافح دول مثل نيجيريا، ليبيا، والجزائر للحفاظ على قدراتها الحالية وسط تراجع استثماراتها في الطاقة.
ويعني هذا التباين أنّ المراجعة قد تمنح دول الخليج وزنًا أكبر داخل التحالف، إذ إن الحصص الجديدة ستعتمد على القدرة المستدامة التي تُعرّف بأنها الإنتاج الممكن تشغيله خلال 90 يومًا والمحافظة عليه لعام كامل.
وبالنسبة للسعودية والإمارات والكويت، التي ضخت استثمارات ضخمة لتطوير حقولها، قد يمثل ذلك تثبيتًا رسميًا لتقدمها الإنتاجي مقارنة ببقية أعضاء التحالف.
الإمارات والعراق… تنافس على رفع الحصص
الإمارات والعراق تحديدًا سيكونان من أكثر المستفيدين المحتملين من المراجعة. فقد عمل البلدان خلال السنوات الأخيرة على توسيع طاقتهما الإنتاجية، ويطالبان منذ فترة طويلة بأن تعكس حصصهما الجديدة هذه الزيادات.
وبالنسبة لأبوظبي، فإن رفع الحصة يعزز استراتيجيتها طويلة المدى لزيادة الإنتاج إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، ما يمنحها نفوذًا أكبر في “أوبك+” وقدرة أعلى على تمويل مشاريعها الاقتصادية غير النفطية.
وبالنسبة للسعودية، فإن عملية التدقيق تمنحها فرصة لتقوية موقعها القيادي داخل أوبك+. فالتقييم المستقل لقدرات الدول الأخرى قد يدعم رؤية الرياض لإدارة السوق التي ترتكز على خفض الإنتاج عند الضرورة لتحصين الأسعار.
وفي وقت تتجه فيه الأسواق إلى فائض كبير في الإمدادات خلال الأعوام المقبلة – كما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية – فإن وجود حصص واقعية وأكثر التزامًا من قبل الدول الأعضاء سيجعل قرارات الخفض تبدو أكثر مصداقية ويمنع الفوضى داخل التحالف.
الخليج ومخاطر انخفاض الأسعار
الضغط الأكبر على دول الخليج يأتي من احتمال دخول السوق في مرحلة وفرة كبيرة قد تدفع الأسعار للهبوط، وهو سيناريو يهدد موازنات المنطقة التي تعتمد بنسب متفاوتة على عائدات النفط.
إعادة ضبط الحصص وفق القدرات الفعلية قد تساعد في منع الشركات الوطنية من ضخ إنتاج زائد لمجاراة المنافسين، وبالتالي الحفاظ على نوع من الانضباط الذي يحد من الانخفاضات الكبيرة في الأسعار.
ويشار إلى أن عملية التدقيق ليست دون مخاطر سياسية. فقد أدت مراجعة 2023 إلى انسحاب أنغولا من المنظمة، ما يكشف هشاشة التوازن داخل التحالف.
ومع وجود دول تخضع لعقوبات – مثل روسيا وفنزويلا وإيران – وترفض التدقيق المباشر من شركات غربية، فإن أي خلافات جديدة قد تخلق حالة من الانقسام تؤثر على وحدة الموقف الخليجي داخل أوبك+.
لكن وجود شركة هندية مكلفة بمراجعة قدرات روسيا وفنزويلا، وإعفاء إيران من التدقيق مقابل اعتماد متوسط إنتاجها، يشير إلى ترتيبات سياسية دقيقة تهدف لتجنب تصعيد جديد داخل المنظمة.
تأثير مباشر على استراتيجيات الخليج
بالنسبة لدول الخليج، فإن نتائج المراجعة ستكون محورية في:
وضع سياسات الاستثمار في الطاقة: إذ ستستند كل دولة إلى تقييماتها الجديدة لمعايرة خطط التوسع في الحقول والمشاريع.
التخطيط المالي متوسط المدى: لأن أي زيادة أو خفض في الحصة سيؤثر مباشرة على توقعات الإيرادات الحكومية.
إدارة الإنتاج: حيث ستكون الحصص المستقبلية أكثر تماشيًا مع القدرات الحقيقية، ما يقلل من الخلافات مع بقية أعضاء التحالف.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73167