خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات الشرق الأوسط بشكل حاد، محذراً من تداعيات متسارعة للحرب الإيرانية على سلاسل إمداد الطاقة والاقتصاد العالمي، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والضغوط التضخمية.
وأوضح الصندوق في أحدث تقرير لآفاق الاقتصاد العالمي أن النمو في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى سيتراجع إلى 1.9% خلال عام 2026، بانخفاض قدره نقطتان مئويتان مقارنة بتوقعاته السابقة في يناير، قبل أن يرتفع إلى 4.6% في 2027، شريطة عودة إنتاج الطاقة وحركة النقل إلى مستوياتها الطبيعية.
وأكد كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيير أوليفييه غورينشاس، أن العامل الحاسم في أداء اقتصادات المنطقة هو “مسار الحرب”، مشيراً إلى أن استمرار النزاع يؤدي إلى تدهور التصنيفات الائتمانية ودخول بعض الدول في نمو سلبي.
وقد ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 30% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، فيما شهدت أسواق الغاز الطبيعي تقلبات حادة، خاصة بعد استهداف منشآت صناعية في قطر.
ورغم أن ارتفاع الأسعار عادة ما يفيد الدول المصدرة، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وإغلاق مضيق هرمز قلصت القدرة على التصدير.
وأشار الصندوق إلى أن بعض الدول باتت غير قادرة على تصدير طاقتها بسبب تدمير المنشآت أو تعطل طرق الشحن، ما يحول دون الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية.
وتشير التوقعات إلى خفض تقديرات النمو لكل من السعودية والإمارات، رغم استمرار تسجيل معدلات إيجابية تبلغ 3.1% في 2026، مع توقع ارتفاعها إلى 4.5% و5.3% على التوالي في 2027.
في المقابل، تواجه عدة دول خليجية مخاطر انكماش اقتصادي، حيث يُتوقع أن تنكمش اقتصادات البحرين وإيران والعراق والكويت وقطر خلال 2026، نتيجة تضرر البنية التحتية وضعف القدرة على تصدير الطاقة.
ويتوقع الصندوق أن ينكمش اقتصاد قطر بنسبة 8.6% هذا العام، بينما قد تتراجع اقتصادات البحرين والكويت بنسبة 0.5% و0.6% على التوالي، قبل أن تعود إلى النمو في العام التالي.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على المنطقة، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي إلى 3.1% في 2026، مع توقع ارتفاع التضخم إلى 4.4% هذا العام و3.7% في العام المقبل.
وأشار التقرير إلى أن الصدمة الحالية تشبه أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، محذراً من أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية.
كما خفّض الصندوق توقعاته لنمو الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ النشاط الاقتصادي، في حين رفع توقعاته للهند بفضل تحسن الظروف التجارية.
وحذر الصندوق من أن التوقعات الحالية تمثل “سيناريو أساسياً”، مشيراً إلى أن استمرار الحرب أو تصاعدها قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو مسار أكثر خطورة، مع تباطؤ النمو إلى 2.5% وارتفاع التضخم إلى 5.4%.
وفي حال امتداد النزاع لفترة أطول، قد ينخفض النمو العالمي إلى 2% فقط، مع تجاوز التضخم مستوى 6%، ما قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، بما في ذلك ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
ودعا صندوق النقد الدولي الحكومات إلى تجنب السياسات الانعزالية، مثل فرض قيود على الصادرات، والعمل على تعزيز أمن الطاقة عبر تنويع مصادر الإمدادات والاستثمار في الطاقة المتجددة.
وأكد أن الحل يكمن في توسيع العرض العالمي للطاقة وتحسين مرونة سلاسل الإمداد، لتخفيف آثار الصدمات الجيوسياسية.
وتكشف تقديرات صندوق النقد الدولي عن حجم التأثير العميق للحرب الإيرانية على اقتصادات الشرق الأوسط والعالم، حيث تتقاطع صدمة الطاقة مع التوترات الجيوسياسية لتخلق بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة.
وبينما تبقى آفاق التعافي مرتبطة بإنهاء النزاع واستعادة الاستقرار، فإن استمرار الأزمة يهدد بإطالة أمد التباطؤ الاقتصادي ورفع مستويات التضخم، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد لقدرة تحمله للصدمات الكبرى.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74742