
قال تقرير نشرته مجلة بوليتيكو إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه أزمة استراتيجية معقدة في التعامل مع إيران، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء المواجهة العسكرية، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
وأوضح التقرير أن طهران تربط إنهاء الأعمال القتالية بترتيبات تمنحها دوراً في إدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما تعتبره دوائر داخل الإدارة الأمريكية تنازلاً سياسياً يصعب قبوله، لما قد يترتب عليه من تكريس نفوذ إيران على الممر البحري وإرساء سابقة في القانون الدولي والممارسة الدبلوماسية.
ونقل التقرير عن خمسة مسؤولين سابقين في إدارة ترامب أن البيت الأبيض يجد نفسه أمام خيارات محدودة، إذ إن القبول بالمطالب الإيرانية يحمل كلفة سياسية واستراتيجية كبيرة، بينما ينذر استمرار الضربات العسكرية المتبادلة بخطر الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع.
وأشار مسؤول سابق في الإدارة الأمريكية إلى أن إيران تسعى إلى اعتراف عملي بحقها في فرض ترتيبات تتعلق بالمرور عبر المضيق، معتبراً أن مثل هذا الترتيب قد يمنحها نفوذاً دائماً على أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وخلال الأيام الماضية، واصل ترامب الجمع بين التهديد بالتصعيد العسكري والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، إذ أعلن عبر منصة “تروث سوشيال” أنه ألغى هجوماً واسعاً كان مخططاً ضد إيران بعد تلقي طلبات من السعودية والإمارات وقطر وإيران لإتاحة الفرصة أمام التوصل إلى اتفاق.
وقال ترامب إن الاتفاق المحتمل يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني، إلا أن طهران لم تؤكد وجود اتفاق مع واشنطن، كما لم تعلن استعدادها للتخلي عن مطالبها المتعلقة بالمضيق.
وذكر التقرير أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وعدداً من كبار المسؤولين حذروا داخل الإدارة من أي تسوية تمنح إيران دوراً في إدارة المضيق، معتبرين أن ذلك سيضعف فعالية العقوبات الأمريكية مستقبلاً، ويقوض الضغوط الدولية الرامية إلى الحد من البرنامج النووي الإيراني.
وقال روبيو، بحسب التقرير، إن السماح لإيران بفرض ترتيبات على الملاحة سيشكل سابقة قد تدفع أطرافاً أخرى إلى اتباع النهج نفسه في ممرات بحرية استراتيجية حول العالم.
وأشار التقرير إلى أن المفاوضات تواجه أيضاً صعوبات إضافية بسبب تعقيدات عملية اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني، وهو ما يحد من فرص التوصل إلى تفاهم سريع.
وقال أليكس غراي، المدير السابق لمكتب مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى، إن طهران تعتقد أنها تمتلك أوراق ضغط قوية، وهو ما يجعلها أقل استعداداً لتقديم تنازلات في هذه المرحلة، مضيفاً أن ضعف قنوات التواصل مع مختلف مراكز القرار الإيرانية يزيد من صعوبة تثبيت أي اتفاق لوقف إطلاق النار.
وأكد مسؤول أمريكي أن الملايين من براميل النفط ما تزال تعبر المضيق يومياً، معتبراً أن ذلك يدل على أن إيران لا تفرض سيطرة كاملة على الممر، مشيراً إلى أن القوانين الأمريكية تحظر على المواطنين والجهات الأمريكية طلب ضمانات مرور من طهران، كما قد تعرض الجهات الأجنبية لعقوبات إذا تعاملت مع مثل هذه الترتيبات.
وربط التقرير الأزمة بالاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، إذ تأتي قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود واستمرار القلق من تداعيات الحرب على الاقتصاد الأمريكي.
وأشار إلى أن كثيراً من الجمهوريين يفضلون إنهاء المواجهة والتركيز على الملفات الاقتصادية، إلا أن استمرار الهجمات على القواعد الأمريكية، وتعرض منشآت الطاقة في الخليج للاستهداف، يبقي الحرب في صدارة المشهد السياسي.
وقال الباحث في المجلس الأطلسي داني سيتري نوفيتش إن ترامب يواجه مجموعة من الخيارات الصعبة، موضحاً أن أي اتفاق دبلوماسي قد يتطلب قبول شكل من أشكال النفوذ الإيراني في المضيق، بينما سيؤدي التصعيد العسكري إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة دون ضمان تغيير الموقف الإيراني.
كما حذر التقرير من أن قبول أي ترتيبات تمنح إيران حق فرض رسوم أو قيود على الملاحة قد يخلق سابقة يمكن أن تستفيد منها قوى أخرى، مثل الصين في محيط تايوان، وهو ما تعتبره دوائر أمريكية تهديداً لمبدأ حرية الملاحة الذي تستند إليه التجارة الدولية منذ عقود.
وفي السياق ذاته، نقلت “بوليتيكو” عن مسؤولين سابقين، بينهم إليوت أبرامز وجيمس جيفري وفريد فليتز، أن إدارة ترامب لا تزال تفضل الحل التفاوضي، لكنها تواجه معضلة تتمثل في الاختيار بين قبول مكاسب سياسية لإيران، أو المضي في تصعيد عسكري قد يقود إلى مواجهة أوسع ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي وحلفاء واشنطن في المنطقة.
ونقلت المجلة عن مسؤولين أن الجهود الدبلوماسية التي تقودها قطر وباكستان ما تزال مستمرة لإعادة إطلاق المفاوضات، إلا أن فرص التوصل إلى تسوية شاملة قبل انتخابات نوفمبر تبدو محدودة، في ظل استمرار الخلافات حول مستقبل مضيق هرمز وشروط إنهاء المواجهة بين واشنطن وطهران.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75468
