
تواجه دول الخليج العربي تحديات هيكلية جديدة نتيجة التغيرات التي أحدثتها الحرب في خريطة التجارة العالمية، مما دفعها إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الاستثمارية بشكل جذري. وتركز هذه الاستراتيجيات الجديدة على ضخ رؤوس أموال كبيرة في مشروعات البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ وشبكات النقل وخطوط أنابيب الطاقة، بهدف تقليل تعرض الاقتصادات الإقليمية للصدمات والأزمات المستقبلية.
كسر احتكار مضيق هرمز
أظهرت الأزمة مدى هشاشة الاعتماد التاريخي لدول الخليج على مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره نحو 20% من تدفقات النفط العالمية قبل اندلاع التوترات. وعلى الرغم من أن المضيق ظل لعقود عرضة لتهديدات بعرقلة الملاحة، إلا أن تعطل حركة العبور خلال الأشهر الستة الماضية فرض واقعاً جديداً. وقد استجابت الدول المصدرة للطاقة بإعلان خطط واستثمارات بمليارات الدولارات لتعزيز البدائل اللوجستية، وسط تباطؤ ملحوظ في أداء اقتصادات المنطقة.
رغم تحويل جزء من حركة التجارة إلى الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر والموانئ الشرقية في الإمارات، تشير التقديرات إلى أن قدراتها الاستيعابية لا تزال محدودة مقارنة بحجم التدفقات الهائلة التي كان يستوعبها مضيق هرمز. وأكد مصدر في قطاع النقل طلب عدم الكشف عن هويته أن حكومات الخليج تدرس حالياً حلولاً “دائمة ومتكاملة” لتقليل الاعتماد الكلي على هذا الممر المائي الحيوي.
الموانئ والخدمات اللوجستية في الصدارة
مع امتلاك معظم دول الخليج موارد مالية ضخمة ناتجة عن عائدات النفط، فإنها قادرة على تمويل جزء كبير من مشروعات البنية التحتية، بينما تلجأ دول أخرى للتمويل الخارجي لجذب الاستثمارات الأجنبية. ويبدو أن صناديق البنية التحتية العالمية والمستثمرين الدوليين يبدون اهتماماً متزايداً بأصول المنطقة، حيث قد تصل قيمة المشروعات الجديدة إلى مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة.
في الإمارات، أعلنت شركة “لِعماد” الاستثمارية التابعة لحكومة أبوظبي اعتزامها الاستحواذ الكامل على مجموعة “موانئ أبوظبي” كجزء من إعادة صياغة استراتيجية المجموعة. وجاء هذا القرار amidst تراجع حاد في أحجام مناولة الحاويات والبضائع خلال الربع الثاني من العام، وهو ما وصفته المجموعة بأنه من أصعب الفترات في تاريخها الممتد لنحو عقدين. كما شهدت أعمال “موانئ دبي العالمية” تراجعاً خلال النصف الأول من العام، رغم استمرار خطط الشركة لتطوير محطتي حاويات في الفجيرة وإنشاء مستودعات داخلية للحاويات.
وأكد زين البقالي، الرئيس التنفيذي لشركة “سيلك إنفست”، أن حكومات الخليج تمتلك السيولة اللازمة لتمويل الاستثمارات المتسارعة في البنية التحتية، مشيراً إلى أن القطاع سيكون من أبرز المستفيدين من هذه الموجة الاستثمارية.
شبكات طاقة ونقل بديلة
على صعيد الطاقة، سرعت السعودية وتيرة خططها بمليارات الدولارات لتقليل اعتماد صادراتها النفطية على مضيق هرمز، من خلال توسيع طاقة خط أنابيب النفط الخام الممتد إلى ساحل البحر الأحمر. وهذا المشروع قد يتيح أيضاً لدول مجاورة استخدام هذه المسارات لتصدير مزيد من النفط بعيداً عن المضيق. وفي الوقت نفسه، تجري مؤسسة البترول الكويتية محادثات مع السعودية والإمارات لتوسيع شبكات خطوط الأنابيب لاستيعاب شحنات نفطية كويتية إضافية.
كما يعمل العراق على زيادة صادراته عبر ميناء جيهان التركي، ويبحث خيارات تصدير إضافية عبر موانئ سورية وأردنية من خلال إنشاء خطوط أنابيب جديدة. وفي مجال النقل البري والسككي، أفاد وزير النقل التركي بأن تركيا والسعودية تعتزمان إنشاء خط للسكك الحديدية يربط البلدين عبر الأردن وسوريا خلال الثلاث أو الأربع سنوات المقبلة، مع توقع انضمام دول خليجية أخرى للمشروع.
وتؤكد التحولات الحالية أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى البنية التحتية مجرد وسيلة لدعم النمو الاقتصادي، بل كأداة استراتيجية لتعزيز المرونة الاقتصادية وتقليل مخاطر الاعتماد على ممرات تجارية محدودة، خاصة في ظل استمرار الغموض حول نهاية الأزمة بين إيران والولايات المتحدة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار خليج 24.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=76386


