بدأ الرئيس السوري أحمد الشرع جولة خليجية بلقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جدة، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز التنسيق الثنائي إلى إعادة رسم موقع سوريا في الإقليم، عبر بوابة الاستثمار والتحالفات الاقتصادية الجديدة.
وتُظهر طبيعة الملفات المطروحة أن دمشق تسعى لتثبيت انتقالها من مرحلة الصراع إلى مرحلة إعادة البناء ضمن محور خليجي مدعوم دوليًا.
وركزت المحادثات على تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب بحث “مشاريع الربط الإقليمي”، وهي صياغة تعكس توجهًا نحو دمج سوريا في منظومات اقتصادية إقليمية أوسع.
ويأتي ذلك في سياق تحرك سعودي متصاعد لتكريس موقعها كفاعل رئيسي في إعادة إعمار سوريا، بعد التحول السياسي الذي شهدته البلاد منذ عام 2024.
وتعكس الزيارة بداية جولة خليجية لم تُعلن تفاصيلها الكاملة، ما يشير إلى تحرك دبلوماسي منسق يهدف إلى توسيع قاعدة الدعم الإقليمي للحكومة السورية الجديدة.
ويظهر الاستقبال الرسمي في جدة، بمشاركة مسؤولين رفيعي المستوى، أن الرياض تتعامل مع دمشق كشريك سياسي واقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
وتُبرز التحركات الأخيرة أن السعودية وضعت نفسها في موقع المستثمر الرئيسي في “سوريا الجديدة”، عبر مبادرات مالية واستثمارية متتالية. وجاء الاتفاق مع قطر على سداد ديون سوريا للبنك الدولي كخطوة تأسيسية لفتح قنوات التمويل الدولي، بعد سنوات من العزلة الاقتصادية التي فرضتها الحرب والعقوبات.
ويرتبط هذا الانفتاح بتحول أوسع في التموضع السوري، خاصة بعد اللقاء الذي جمع الشرع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض العام الماضي، بحضور ولي العهد السعودي.
ويُنظر إلى هذا اللقاء كإشارة على انتقال تدريجي في السياسة الخارجية السورية، من محور إيران إلى مسار أكثر انفتاحًا على الولايات المتحدة والدول الخليجية.
وتُظهر المشاريع المعلنة أن الاستثمار هو الأداة الرئيسية في هذه المرحلة، حيث أطلقت السعودية صندوق “إيلاف” لتمويل مشاريع كبرى في سوريا، من بينها إعادة تطوير مطارات حلب واستثمارات في قطاع الطيران عبر شراكة بين “فلاي ناس” والجهات السورية.
وتعكس هذه المشاريع توجهًا لتحويل سوريا إلى ساحة استثمارية، بدلًا من الاعتماد على المساعدات التقليدية.
ويؤكد خطاب الشرع في الرياض خلال الأشهر الماضية هذا التحول، حيث طرح رؤية تقوم على إعادة الإعمار عبر الاستثمار، في محاولة لجذب رؤوس الأموال الخليجية والدولية وذلك انطلاقا من الإدراك بأن إعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب شراكات طويلة الأمد، وليس مجرد دعم إنساني مؤقت.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المسار الاقتصادي عن السياق السياسي والأمني الأوسع. فنجاح مشاريع الاستثمار مرتبط باستقرار الوضع الداخلي، وبقدرة الحكومة السورية على الحفاظ على مسافة من الصراعات الإقليمية.
وقد أظهرت دمشق حتى الآن قدرة نسبية على تجنب الانخراط المباشر في التصعيد الإقليمي، رغم بعض الحوادث الأمنية المحدودة.
وتأتي هذه التحركات أيضًا في ظل إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، حيث تسعى السعودية إلى تعزيز نفوذها في ملفات كانت تقليديًا ضمن نطاق تأثير قوى أخرى، وعلى رأسها إيران. ويُعد الانخراط في الملف السوري جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
في هذا السياق، يبرز البعد السياسي في تصريحات الشرع حول الاستعداد للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل ضمن خطط السلام الأمريكية، مع رفض شروط تمس السيادة السورية. ويعكس هذا الموقف محاولة للموازنة بين الانفتاح السياسي ومتطلبات الداخل، في ظل بيئة إقليمية معقدة.
وتمثل الجولة الخليجية اختبارًا لقدرة دمشق على ترجمة الانفتاح السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، خاصة في ظل المنافسة بين الدول الخليجية على الاستثمار في سوريا. كما تعكس رغبة خليجية في استثمار الفرصة لإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي بشروط جديدة.
وتُظهر هذه التطورات أن سوريا تدخل مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، حيث تتحول من ساحة صراع إلى محور محتمل للاستثمار الإقليمي.
ويعتمد نجاح هذا التحول على توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي، والاستقرار السياسي، وإدارة العلاقات الدولية، في ظل بيئة لا تزال تحمل الكثير من التحديات.
وتؤكد زيارة الشرع إلى جدة أن العلاقة بين دمشق والرياض لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي، بل أصبحت ركيزة لإعادة تشكيل الاقتصاد السوري، ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وإدماجها في المنظومة الإقليمية الجديدة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74829