صدمة الطاقة تُهدد بإشعال أزمة ديون عالمية.. ومصر في واجهة الخطر

حذّرت مؤشرات اقتصادية متسارعة من أن تداعيات الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بدأت تتجاوز حدودها العسكرية، لتتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية محتملة، تضع دولاً مثقلة بالديون، وعلى رأسها مصر، في دائرة الخطر المباشر.

وأظهرت تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حجم القلق المتصاعد، عندما وجّه نداءً غير معتاد إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطالباً بوقف الحرب، في ظل القفزة الحادة في أسعار النفط التي بلغت نحو 115 دولاراً للبرميل، مقارنة بمستويات أقل بكثير في نهاية العام الماضي.

وعكست هذه التصريحات، التي جاءت خلال مؤتمر للطاقة في القاهرة، تحولاً لافتاً في خطاب السيسي، الذي يتجنب عادة إظهار الانفعالات، إذ بدا حديثه أقرب إلى تحذير اقتصادي صريح من تداعيات استمرار التصعيد على بلاده.

وتعتمد مصر بشكل كبير على استيراد الطاقة، ما يجعلها عرضة مباشرة لصدمات الأسعار، في وقت تعاني فيه من ضغوط اقتصادية مركبة تشمل ارتفاع الدين الخارجي والتضخم، إضافة إلى تراجع قيمة العملة المحلية.

وتشير بيانات اقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وأسعار الفائدة، ما يرفع كلفة خدمة الديون المقومة بالدولار، ويضع ضغوطاً إضافية على الموازنة العامة، ليس فقط في مصر، بل في العديد من الاقتصادات النامية.

ويراقب خبراء الاقتصاد الوضع المصري باعتباره مؤشراً مبكراً على أزمة أوسع، إذ تُشبه مصر بـ”كناري منجم الفحم”، في إشارة إلى أنها قد تكون أول من يتأثر بانفجار أزمة ديون عالمية محتملة، نتيجة صدمة الطاقة.

وتُظهر التجارب السابقة أن الأزمات المالية لا تبقى محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل تمتد بسرعة عبر الأسواق، كما حدث خلال أزمة الديون اليونانية عام 2010، التي أثّرت على أوروبا بأكملها، ما يعزز المخاوف من انتقال العدوى الاقتصادية في حال تفاقمت الأزمة المصرية.

ودفعت هذه المخاطر القاهرة إلى التحرك دبلوماسياً لاحتواء التصعيد، حيث لعبت دوراً خلف الكواليس في دعم جهود وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ مؤقتاً، في وقت كانت فيه باكستان تقود محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران.

وقد رحّب السيسي بوقف إطلاق النار، معبّراً عن أمله في أن يتحول إلى اتفاق دائم، غير أن المؤشرات الميدانية كشفت هشاشة هذا التفاهم، خاصة مع استمرار التوترات في لبنان وتصاعد التصريحات المتبادلة بين الأطراف المعنية.

في الوقت ذاته، بقي مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، مغلقاً جزئياً، ما ساهم في إبقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، إذ بلغ سعر خام برنت نحو 97 دولاراً للبرميل بعد أن كان قد تراجع مؤقتاً.

وتشكّل هذه التطورات تهديداً مباشراً للاقتصادات الناشئة التي تعتمد على استيراد الطاقة، وتعاني من مستويات مرتفعة من الدين والعجز المالي، ما يجعلها الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة.

وتُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن الدين الخارجي لمصر يقترب من 170 مليار دولار، أي نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستهلك مدفوعات الفائدة أكثر من نصف الإنفاق الحكومي.

ويُضاف إلى ذلك عجز متوقع في الموازنة يبلغ 6.8% من الناتج المحلي، ومعدل تضخم يصل إلى 13%، إلى جانب عجز كبير في الحساب الجاري، ما يعكس هشاشة الوضع المالي.

وتفاقمت الضغوط مع ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، التي قفزت إلى 2.5 مليار دولار في مارس، مقارنة بـ1.2 مليار دولار في يناير، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية، شملت تقليص استهلاك الطاقة وإغلاق المحال التجارية مبكراً.

وتُعيد هذه التطورات إلى الأذهان أزمة الديون في ثمانينيات القرن الماضي، التي اندلعت نتيجة ارتفاع أسعار النفط وزيادة أسعار الفائدة الأمريكية، وأدت إلى عجز دول عدة عن سداد ديونها، وفي مقدمتها المكسيك.

ويحذر خبراء من أن تكرار هذا السيناريو ليس مستبعداً، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً، وتزايد الضغوط على الاقتصادات الضعيفة.

ويرى الخبير الاقتصادي كريم أبادير أن الاقتصاد العالمي كان يعاني أصلاً من ضعف في الطلب قبل اندلاع الحرب، وأن صدمة العرض الحالية ستفاقم الأزمة، ليس فقط من خلال التضخم، بل أيضاً عبر دفع العالم نحو ركود اقتصادي محتمل.

وأشار أبادير إلى أن تداعيات الأزمة قد تشمل فقدان الوظائف وتباطؤ النمو، ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي.

وتعكس هذه المؤشرات أن الحروب الحديثة، رغم طابعها الإقليمي، تحمل تداعيات اقتصادية عالمية، حيث تتحول الصراعات العسكرية إلى أزمات مالية تمتد آثارها إلى الدول الأكثر هشاشة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.