كشفت دراسة حديثة عن وجود علاقة مباشرة بين نوعية الأنشطة اليومية التي يمارسها الأفراد وخطر الإصابة بالخرف، مؤكدة أن الانخراط في أنشطة ذهنية محفزة يمكن أن يساهم في تقليل هذا الخطر بشكل ملحوظ، حتى لدى الأشخاص الذين لا يمارسون نشاطًا بدنيًا كافيًا.
وأظهرت الدراسة، التي تابعت أكثر من 20 ألف شخص بالغ في السويد على مدى نحو عقدين، أن طريقة قضاء الوقت أثناء الجلوس تلعب دورًا حاسمًا في صحة الدماغ. وقسّم الباحثون الأنشطة إلى فئتين رئيسيتين: أنشطة ذهنية نشطة، مثل القراءة وحل الألغاز واستخدام الحاسوب لأغراض تتطلب التفكير، وأنشطة ذهنية سلبية، مثل مشاهدة التلفاز أو التصفح العشوائي على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبيّنت النتائج أن الأفراد الذين يقضون وقتًا أطول في الأنشطة الذهنية السلبية كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف مقارنة بمن ينخرطون في أنشطة تتطلب تركيزًا وتفاعلًا ذهنيًا. واستمر هذا التأثير حتى بعد أخذ مستوى النشاط البدني بعين الاعتبار، ما يشير إلى أن التحفيز الذهني بحد ذاته عنصر أساسي في الحفاظ على صحة الدماغ.
وأوضح الباحثون أن الدماغ يتكيّف مع نمط استخدامه، حيث تعمل الأنشطة التي تتطلب التفكير وحل المشكلات على تعزيز الروابط العصبية وتقوية الشبكات المسؤولة عن الذاكرة والوظائف الإدراكية. في المقابل، لا توفر الأنشطة منخفضة الجهد الذهني نفس المستوى من التحفيز، ما قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في القدرات العقلية.
وأشارت الدراسة إلى أن الجلوس لفترات طويلة خلال ممارسة أنشطة سلبية قد يفاقم المشكلة، إذ يقلل من تدفق الدم إلى الدماغ، ما يؤثر سلبًا على وظائفه الحيوية.
ورصد الباحثون فوائد ملموسة حتى مع إدخال تغييرات بسيطة في الروتين اليومي، حيث ارتبطت إضافة ساعة واحدة من النشاط الذهني النشط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسبة تقارب 4%. كما أن استبدال ساعة من النشاط السلبي بآخر نشط أدى إلى تقليل الخطر بنحو 7%.
وبيّنت النتائج أن الجمع بين النشاط الذهني والنشاط البدني يحقق أكبر فائدة، حيث سجل الأشخاص الذين يمارسون أنشطة ذهنية محفزة إلى جانب التمارين الرياضية المنتظمة، خاصة بمعدل 150 دقيقة أسبوعيًا، أدنى مستويات خطر الإصابة بالخرف.
وأوصت الدراسة بإدخال تعديلات بسيطة على نمط الحياة اليومية، مثل القراءة بدلًا من مشاهدة التلفاز، أو حل الألغاز بدل التصفح العشوائي للهاتف، إضافة إلى تعلم مهارات جديدة مثل اللغات أو الموسيقى أو الرسم، لما لها من دور في تنشيط الدماغ وتعزيز قدراته.
كما لفتت إلى أهمية الأنشطة التي تجمع بين التحفيز الذهني والتفاعل الاجتماعي والنشاط البدني، مثل المشي مع الأصدقاء أو المشاركة في أنشطة جماعية، لما توفره من فوائد متكاملة لصحة الدماغ والجسم.
ورغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى وجود بعض القيود، أبرزها احتمال ما يُعرف بالسببية العكسية، حيث قد يكون الأشخاص الذين يتمتعون بقدرات إدراكية أفضل أكثر ميلًا لممارسة أنشطة ذهنية نشطة.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن نمط الحياة اليومي يلعب دورًا متزايد الأهمية في تحديد صحة الدماغ على المدى الطويل، ما يعزز الدعوات لاعتماد عادات بسيطة لكنها مستدامة للوقاية من التدهور المعرفي مع التقدم في العمر.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74666