تكشف محاضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن انقسام واضح بين صانعي السياسة النقدية بشأن مسار أسعار الفائدة، وسط تصاعد المخاوف من استمرار التضخم وتأثيرات التوترات الجيوسياسية، خصوصاً الحرب المرتبطة بإيران، على الاقتصاد الأمريكي.
وتُظهر الوثائق الصادرة عن اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، الذي عُقد يومي 17 و18 مارس، أن بعض المسؤولين داخل البنك المركزي لا يستبعدون خيار رفع أسعار الفائدة مجدداً، رغم التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى اتجاه نحو خفضها خلال العام الجاري.
ويعكس هذا التوجه حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل تكاليف الاقتراض، في ظل تضارب المؤشرات الاقتصادية، حيث لا يزال التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً، في وقت تتزايد فيه الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
ويؤكد عدد من أعضاء اللجنة أن خفض أسعار الفائدة قد يصبح مناسباً “بمرور الوقت” إذا تراجع التضخم وفق التوقعات، إلا أن هذه الرؤية لم تعد محل إجماع، إذ قام بعض المسؤولين بتأجيل توقعاتهم لخفض الفائدة إلى وقت لاحق بسبب البيانات الأخيرة التي أظهرت استمرار الضغوط التضخمية.
وتشير المحاضر إلى أن بعض صانعي القرار يرون ضرورة تبني نهج “ذو وجهين” في السياسة النقدية، يترك الباب مفتوحاً أمام خيارين متناقضين: إما خفض الفائدة إذا تراجع التضخم، أو رفعها في حال استمرت الضغوط أو تفاقمت.
وترتبط هذه المخاوف بشكل مباشر بارتفاع أسعار النفط، حيث توقع المسؤولون أن يؤدي صعود أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم على المدى القريب، وتأخير الوصول إلى الهدف المحدد عند 2%، وهو الهدف الأساسي للبنك المركزي.
وتوضح المحاضر أن “الغالبية العظمى” من المسؤولين ترى أن مسار انخفاض التضخم قد يكون أبطأ مما كان متوقعاً، مع تزايد خطر بقائه فوق المستوى المستهدف لفترة أطول، وهو ما يعزز احتمالات تشديد السياسة النقدية بدلاً من تيسيرها.
وتكشف التوقعات السابقة عن انقسام داخل المجلس، إذ أشار 12 من أصل 19 مسؤولاً إلى احتمال خفض الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام، بينما يرى سبعة مسؤولين أن الفائدة قد تبقى دون تغيير حتى عام 2026، ما يعكس فجوة متزايدة في التقديرات داخل المؤسسة.
ويأتي ذلك في وقت أبقى فيه الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير للشهر الثاني على التوالي، بعد سلسلة من التخفيضات التي أُقرت في نهاية عام 2025، في محاولة لموازنة دعم النمو الاقتصادي مع السيطرة على التضخم.
في بيانه الأخير، أقر البنك المركزي بأن تداعيات التطورات في الشرق الأوسط لا تزال غير واضحة، مشيراً إلى أن هذه العوامل الخارجية قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة المقبلة.
كما لفت إلى أن سوق العمل لا تزال مستقرة نسبياً، حيث لم يشهد معدل البطالة تغيراً كبيراً، إلا أن استمرار التضخم المرتفع يظل مصدر قلق رئيسي لصانعي القرار.
في المقابل، شهدت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً عقب إعلان وقف إطلاق النار المؤقت، إلا أنها لا تزال أعلى من مستويات ما قبل الحرب، ما يعني أن الضغوط التضخمية لم تختفِ بالكامل.
وخلال الأسابيع الماضية، راهن المستثمرون على أن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تعليق خطط خفض الفائدة، أو حتى العودة إلى رفعها، غير أن الهدنة الأخيرة خففت جزئياً من هذه التوقعات دون أن تلغيها.
في هذا السياق، أقر رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأن البنك المركزي لم يصل بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار حاسم بشأن كيفية التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة، مشيراً إلى أن الوضع الحالي يتطلب “الانتظار والترقب” حتى تتضح الصورة الاقتصادية بشكل أكبر.
وتعكس هذه التصريحات حالة الحذر التي تسيطر على صانعي السياسة النقدية، في ظل بيئة اقتصادية معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية مع التطورات الجيوسياسية العالمية.
وتكشف محاضر الاجتماع أن الاحتياطي الفيدرالي يقف أمام معادلة صعبة بين كبح التضخم والحفاظ على النمو، مع بقاء جميع الخيارات مفتوحة، بما في ذلك احتمال العودة إلى رفع أسعار الفائدة إذا استدعت الظروف ذلك.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74651