كشفت تطورات المشهد الإقليمي عن تحوّل لافت في مقاربة السعودية للصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تمضي الرياض في مسارين متوازيين: دعم الجهود الدبلوماسية لاحتواء الحرب، والاستعداد في الوقت ذاته لخيارات عسكرية قد تُفرض إذا فشلت الوساطات الجارية.
وبحسب موقع المونيتور الإخباري، تنتظر السعودية نتائج الوساطة التي تقودها باكستان، بدعم من دول إقليمية بينها تركيا ومصر، في محاولة لتجنّب انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة، وسط تحركات دبلوماسية مكثفة تشمل اتصالات يومية مع طهران، وفق ما أكدته مصادر مطلعة.
لكن هذا المسار الدبلوماسي لا يخفي استعدادًا سعوديًا متزايدًا للتصعيد، إذ تعمل المملكة على تعزيز دفاعاتها العسكرية، وتدرس تنفيذ استعراض قوة يهدف إلى ردع إيران وفرض كلفة على أي هجمات محتملة ضد أراضيها أو مصالحها الحيوية.
وتؤكد مصادر سعودية أن هذه التحركات تأتي في إطار الدفاع عن الأمن الوطني، وليس الانخراط المباشر في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين تجنب الحرب الشاملة وعدم الظهور بمظهر العاجز عن الرد.
ويعكس هذا التوجه تحوّلًا أعمق داخل المملكة، بعد تعرضها لمئات الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة منذ اندلاع الحرب، وهو ما دفع الرياض إلى إعادة تقييم اعتمادها الطويل على المظلة الأمنية الأمريكية، والتوجه نحو بناء قدرات ردع مستقلة.
وتشير المعطيات إلى أن القيادة السعودية باتت ترى أن الدبلوماسية وحدها لم تعد كافية لضمان الأمن، رغم استمرارها في إعطائها الأولوية، خاصة بعد تجربة التقارب مع إيران عام 2023 برعاية صينية، والتي لم تمنع تصاعد التوترات لاحقًا.
ويؤكد مسؤولون سعوديون أن المملكة لا تسعى إلى مهاجمة إيران، لكنها تحتفظ بحق الرد على أي تهديدات، مشددين على أن استمرار الهجمات قد يدفع الرياض إلى دراسة جميع الخيارات، بما في ذلك التحرك العسكري.
في هذا السياق، تكثف السعودية جهودها لتعزيز بنيتها الدفاعية، بما يشمل تطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والاستثمار في التصنيع العسكري المحلي، إلى جانب توقيع اتفاقيات أمنية مع شركاء دوليين لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات الحديثة، خاصة الطائرات المسيّرة.
وتطرح هذه التحركات تساؤلات حول احتمال انتقال السعودية من موقع الوسيط إلى طرف فاعل في الصراع، خاصة في ظل تقارير تشير إلى ضغوط خليجية على واشنطن لمواصلة حملتها ضد إيران، رغم نفي الرياض دعمها لأي تصعيد عسكري مباشر.
وحتى الآن، لم تسمح دول الخليج، بما فيها السعودية، باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشن هجمات على إيران، كما لم تنفذ أي عمليات عسكرية مباشرة، في محاولة لتفادي الانخراط الكامل في الحرب، والحفاظ على هامش مناورة سياسي.
مع ذلك، تشير تقديرات إلى أن السعودية تدرس سيناريوهات متعددة في حال فشل المسار الدبلوماسي، تشمل تعزيز انتشار قواتها على الحدود والسواحل، وتنفيذ ضربات محدودة ضد أهداف مرتبطة بإيران أو وكلائها، وحتى السماح باستخدام قواعدها العسكرية بشكل علني.
وتدرك الرياض أن أي خطوة عسكرية قد تحمل كلفة عالية، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا على الاقتصاد العالمي، حيث تلعب السعودية دورًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة، وهو ما يجعلها أكثر حذرًا في اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة.
وتستفيد المملكة حاليًا من بنية تحتية بديلة لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، ما مكّنها من تجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز، إلا أن أي تصعيد عسكري قد يعرّض هذه المسارات للخطر، خاصة مع احتمالات استهدافها من قبل إيران أو حلفائها في المنطقة.
في المقابل، تعكس الانقسامات داخل دول الخليج تباينًا في المواقف تجاه التصعيد، حيث تميل بعض الدول إلى تبني نهج أكثر تشددًا، بينما تفضّل أخرى استمرار المسار الدبلوماسي، ما يضع السعودية في موقع حاسم لتحديد اتجاه الموقف الخليجي ككل.
وتشير التقديرات إلى أن قرار السعودية، باعتبارها أكبر قوة في الخليج، سيحدد مسار المرحلة المقبلة، سواء نحو التهدئة أو التصعيد، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74583