تُظهر تداعيات الحرب الأمريكية على إيران تصدّعاً غير مسبوق داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع تزايد رفض الدول الأوروبية الانخراط في العمليات العسكرية أو دعمها، في مؤشر واضح على تراجع النفوذ الأمريكي داخل أحد أهم تحالفاته الاستراتيجية.
وقد بدأت عدة دول أوروبية عملياً بتحدي واشنطن، عبر رفض السماح للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام أجوائها أو قواعدها، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً من التحفظ السياسي إلى الرفض الميداني المباشر.
وأغلقت إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في الهجمات، بينما منعت إيطاليا استخدام قواعدها الجوية لنقل القوات والمعدات، في حين رفضت بولندا نشر أنظمة دفاع جوي في الشرق الأوسط، رغم الضغوط الأمريكية.
ويكشف هذا التمرد المتزامن من دول تختلف سياسياً – من اليسار الإسباني إلى اليمين الإيطالي والوسط البولندي –أن الخلاف لم يعد أيديولوجياً، بل بات يعكس رفضاً أوروبياً واسعاً لطبيعة الحرب وأهدافها.
وتزداد حدة التوتر مع تصعيد الخطاب الأمريكي، حيث هاجم الرئيس دونالد ترامب حلفاءه الأوروبيين علناً، متهماً إياهم بالتقاعس، ومطالباً إياهم بتحمل مسؤولياتهم العسكرية، في خطاب غير مسبوق تجاه شركاء يفترض أنهم حلفاء استراتيجيون.
الأخطر أن إدارة ترامب بدأت تلمّح إلى تقليص التزامها ببند الدفاع المشترك في الناتو، وهو حجر الأساس في الحلف، ما يثير شكوكاً عميقة حول مستقبل التحالف نفسه.
في هذا السياق، رفض مسؤولون أمريكيون تقديم التزام واضح بحماية الحلفاء، مؤكدين أن القرارات ستخضع لتقديرات الرئيس، وهو ما يضرب جوهر مبدأ “الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع”.
ويأتي هذا الانقسام في وقت تتحمل فيه الدول الأوروبية كلفة اقتصادية متزايدة للحرب، حيث أدى تعطّل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد الضغط على اقتصادات كانت تعاني أصلاً من تداعيات أزمات سابقة.
وتعكس هذه التطورات شعوراً أوروبياً متنامياً بأن الولايات المتحدة تجر الحلف إلى حرب لم يشارك في صياغتها أو تحديد أهدافها، ما يجعل المشاركة فيها مخاطرة غير محسوبة سياسياً وعسكرياً.
كما تشير تحليلات إلى أن الرأي العام الأوروبي يعارض الحرب بشكل واسع، وهو ما يقيّد الحكومات ويجعل من الصعب عليها تقديم دعم مباشر لواشنطن، خاصة في ظل غياب استراتيجية واضحة لإنهاء الصراع.
في المقابل، تستغل إيران هذا الانقسام عبر طرح نفسها كطرف قادر على إعادة تشكيل قواعد اللعبة في المنطقة، بما في ذلك التحكم في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ومنح امتيازات لدول لا تنخرط في الحرب.
ويضع هذا التطور أوروبا أمام معادلة معقدة: إما الانخراط في حرب غير مضمونة النتائج إلى جانب واشنطن، أو التكيف مع واقع جديد قد تكون فيه إيران لاعباً رئيسياً في تأمين الطاقة.
ويزداد المشهد تعقيداً مع تصريحات ترامب التي دعا فيها الحلفاء إلى “الدفاع عن أنفسهم”، في إشارة واضحة إلى احتمال تخلي الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كضامن للأمن الغربي.
وبحسب مراقبين فإن هذا الخطاب يشير إلى تحول أعمق في السياسة الأمريكية، يقوم على إعادة تعريف التحالفات وفق منطق المصالح المباشرة، بدلاً من الالتزامات التاريخية.
وعليه تكشف أزمة الحرب على إيران عن شرخ عميق داخل الناتو، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض أجندتها كما في السابق، بينما يسعى الحلفاء الأوروبيون إلى تجنب الانجرار إلى صراع مفتوح.
ومع استمرار هذا التباعد، يواجه الحلف أحد أخطر اختباراته منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل تساؤلات متزايدة حول قدرته على الصمود، ومستقبل العلاقة بين ضفتي الأطلسي في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74560