تراجع حلم الميغا-مشاريع السعودية يهز مكاتب العمارة العالمية

بدأ تباطؤ المشاريع السعودية الضخمة يترك انعكاسات واسعة تتجاوز حدود المملكة، ليمتد أثره إلى مكاتب معمارية عالمية، خصوصًا في المملكة المتحدة، حيث باتت عشرات الوظائف مهددة نتيجة الإلغاءات المفاجئة ومراجعات الإنفاق.

وفي أواخر نوفمبر، أُبلغ مكتب Bjarke Ingels Group (BIG) بإلغاء مشروع منتجع كبير كان يعمل عليه في منطقة البحر الأحمر، وهو مشروع غير مُسمّى كان يشغّل نحو نصف القوة العاملة للمكتب البريطاني للشركة الدنماركية، بحسب ما أفاد «أركيتكتس جورنال».

ويمثل هذا الإلغاء واحدًا من سلسلة مشاريع، كثير منها في السعودية، تأثرت بإعادة المعايرة وتأخيرات التنفيذ، في ظل تراجع أسعار النفط وإعادة الرياض النظر في خططها التطويرية الطموحة.

ونتيجة لذلك، تحولت قرارات مالية تُتخذ داخل المملكة إلى أزمة حقيقية لدى ممارسات معمارية خارجها، كانت قد خصصت موارد بشرية ومالية كبيرة لتنفيذ تلك المشاريع.

وفي حالة BIG، أدّى الإلغاء المفاجئ إلى إطلاق خطط تسريح جماعي، فجّر احتجاجًا غير مسبوق أمام مقر الشركة في لندن بمنطقة «برودغيت».

وقد بات المكتب مثالًا بارزًا على الكيفية التي تنتقل بها الآثار الارتدادية للتباطؤ السعودي إلى ما وراء الحدود، وسط تأكيد المحتجين أن ما يحدث لا يخص شركة واحدة، بل يطال قطاع العمارة العالمي بأسره.

ولا يقتصر المشهد على BIG وحدها. فقد أفاد «أركيتكتس جورنال» خلال الأسابيع الماضية بتقليصات إضافية في نطاق عدد من أبرز الميغا-مشاريع السعودية. من بينها المدينة الخطية في نيوم، «ذا لاين»، التي صممتها شركة Gensler، والتي باتت اليوم أقصر وأكثر تواضعًا مقارنة بالتصورات الأولية التي رُوّج لها قبل أعوام.

وتشير مصادر معمارية إلى أن المشروع يُعاد تصميمه ليعتمد على البنية التحتية المنفذة بالفعل، بدل الطموحات الأصلية التي امتدت بطول 170 كيلومترًا.

كما تراجعت طموحات منتجع التزلج الجبلي «تروجينا»، الذي تعمل عليه شركتا Aedas وZaha Hadid Architects، بعد أن خسر رسميًا حق استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 لعدم جاهزية المنطقة في الوقت المناسب.

ووفق تقارير «فايننشال تايمز»، من المرجح تقليص مساهمة ZHA في المشروع، وربما إسقاط عناصر بارزة كانت تُعد رمزية لطموحه المعماري.

وفي الرياض، جرى تعليق مشروع ناطحة السحاب العملاقة «المكعب» بانتظار مراجعة شاملة. ويفهم «أركيتكتس جورنال» أن المشروع، الذي صممته في الأصل AtkinsRéalis وشاركت فيه لاحقًا AECOM، سيتحوّل إلى مقترح أقل بكثير من التصورات السابقة، مع إسقاط بعض الوعود التقنية والترفيهية التي رافقته.

وقد بدا الانعكاس الإنساني لهذه التطورات واضحًا في لندن، حيث أكدت المديرة التنفيذية لـBIG أن خطط التسريح جاءت بعد الإلغاء غير المتوقع لأكبر مشاريع المكتب، مشيرة إلى أن الشركة أبقت الموظفين على رأس عملهم ويتقاضون رواتبهم كاملة خلال فترة التشاور.

غير أن الاحتجاجات كشفت عن شعور واسع بانعدام الأمان الوظيفي، خصوصًا أن عشرات الموظفين الأجانب ترتبط تأشيراتهم بعقود العمل والمشاريع الملغاة.

وقد دخل اتحاد Unite the Union على خط الأزمة، منتقدًا ما وصفه بغياب الشفافية في إجراءات التشاور، ومطالبًا بضمانات تحمي العمال من تداعيات قرارات لا يد لهم فيها.

وعلى الرغم من نفي الشركة لهذه الاتهامات، فقد اضطرت إلى إعادة إطلاق عملية تشاور جديدة تحت ضغط النقابة والشارع المهني.

وتظهر البيانات المالية أن التباطؤ السعودي لا يقتصر على مكاتب التصميم. فقد كشفت AECOM عن تراجع بنسبة 42% في دخلها من الشرق الأوسط خلال سنة مالية واحدة، فيما أظهرت حسابات «غينسلر» انخفاضًا في إيرادات أعمالها المرتبطة بمشروع «ذا لاين».

وبينما يرى خبراء أن خفض الوظائف قد يكون محاولة لتفادي تدهور أعمق، يحذر آخرون من أن استمرار الرهان على الميغا-مشاريع غير المستقرة قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.