كشف تقرير لصحيفة فايننشال تايمز عن تسريب واسع لبيانات شخصية حساسة خلال مؤتمر استثماري رئيسي في أبوظبي، ما أعاد طرح أسئلة جدية حول معايير الأمان الرقمي في الإمارة، في توقيت دقيق تشهد فيه المنطقة منافسة محتدمة، خصوصًا مع المملكة العربية السعودية، على المكانة الجيوسياسية ودور مركز الأعمال الإقليمي.
ووفق التقرير، فقد كُشف عن نسخ ممسوحة ضوئيًا لأكثر من 700 جواز سفر وبطاقة هوية حكومية محفوظة على خادم تخزين سحابي غير محمي، مرتبط بفعاليات أسبوع أبوظبي المالي الذي عُقد في ديسمبر الماضي.
وشملت الوثائق بيانات تعود إلى شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، من بينها رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، ومقدم البودكاست ومدير الاتصالات السابق في البيت الأبيض أنتوني سكاراموتشي.
وأشارت الصحيفة إلى أن البيانات كانت متاحة لأي مستخدم عبر متصفح ويب عادي، من دون أي إجراءات حماية تقنية، وبقيت كذلك حتى يوم الاثنين، عندما تواصلت الصحيفة مع الجهة المعنية للاستفسار.
وبحسب التقرير، فإن الخادم لم يكن يتطلب كلمة مرور أو مصادقة رقمية، ما جعل الوصول إلى هذه الوثائق الحساسة ممكنًا على نطاق واسع.
وفي تعليق رسمي لصحيفة فايننشال تايمز، قالت الجهة المشرفة على التخزين إن التسريب نجم عن “ثغرة أمنية في بيئة تخزين يديرها بائع طرف ثالث”، مؤكدة أن الخلل جرى التعامل معه فور اكتشافه.
وأضاف البيان أن المراجعة الأولية تشير إلى أن الوصول إلى البيانات “اقتصر على الباحث الذي حدد المشكلة”، دون تقديم تفاصيل إضافية حول مدة التعرض أو احتمالات الاطلاع غير المصرح به.
ويأتي هذا التسريب في سياق إقليمي وسياسي بالغ الحساسية. فالإمارات، وتحديدًا أبوظبي، تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ موقعها كمركز مالي عالمي قادر على استقطاب كبار المستثمرين والشركات متعددة الجنسيات.
غير أن حادثة من هذا النوع تضرب أحد الأعمدة الأساسية لهذه السردية: الثقة في البنية التحتية، لا سيما في مجال حماية البيانات والخصوصية.
في الوقت نفسه، تتصاعد المنافسة الاقتصادية بين الإمارات والسعودية، حيث تعمل كلتا الدولتين على جذب رأس المال الأجنبي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتقديم نفسيهما كنموذج للاستقرار والكفاءة.
وغالبًا ما يُنظر إلى الإمارات على أنها سبقت السعودية بعقود في هذا المجال، مستفيدة من تجربة دبي كمركز تجاري عالمي، بينما تسعى الرياض اليوم إلى سد الفجوة عبر مشاريع ضخمة وإصلاحات تنظيمية.
وقد كثفت أبوظبي، التي تُعد أغنى من دبي من حيث الموارد النفطية، جهود تنويع الاقتصاد، ونجحت في السنوات الأخيرة في جذب أعداد متزايدة من المغتربين وكبار التنفيذيين.
وعكست قائمة المتحدثين في أسبوع أبوظبي المالي هذا الطموح، إذ ضمت وزراء حكوميين، ورؤساء تنفيذيين من مؤسسات مالية كبرى مثل UBS وBlackstone وBarclays وMorgan Stanley، إضافة إلى شركات تعمل في مجال العملات المشفرة مثل Tether.
غير أن تسريب بيانات بهذا الحجم، وفي فعالية بهذا المستوى، يسلط الضوء على فجوة مقلقة بين الخطاب الرسمي حول “الجاهزية العالمية” والواقع العملي لإدارة الفعاليات الكبرى.
فحماية وثائق السفر والهويات الشخصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل عنصر أساسي في ثقة النخب السياسية والاقتصادية التي تعتمد عليها أبوظبي في تعزيز مكانتها الدولية.
ويتقاطع هذا الحدث مع توترات خليجية أوسع. فقد كشف موقع “ميدل إيست آي” في تقارير سابقة عن ضغوط إماراتية داخل واشنطن، شملت جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، لإدانة السعودية.
وعندما سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هذه التوترات، قال إنه ليس طرفًا فيها، لكنه أقر بوجود “خلاف” بين البلدين، في إشارة إلى عمق التنافس.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74074