تتحول مكة المكرمة، أقدس مدن الإسلام وأكثرها حساسية دينية، إلى ساحة رهان اقتصادي ضخم يقوده ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في إطار إعادة توجيه استراتيجية للاقتصاد السعودي بعيدًا عن المشاريع المستقبلية العملاقة المتعثرة، نحو أصول قائمة ذات طلب عالمي مضمون، وفي مقدمتها العقار المرتبط بالسياحة الدينية.
فبينما يشق الحجاج طريقهم هذه الأيام في شوارع مكة العتيقة، تصطف الرافعات العملاقة على جانبي الممرات، حيث أُزيلت أحياء قديمة وأزقة تاريخية لإفساح المجال أمام أبراج سكنية وفنادق فاخرة ومراكز تجارية حديثة تقود جميعها إلى قلب المدينة: المسجد الحرام.
في هذا المشهد المتحوّل، يجد ياسر أبو عتيق، المصرفي السابق والرئيس التنفيذي لشركة أم القرى للتنمية والإعمار، نفسه في مواجهة تدفق غير مسبوق من المستثمرين الدوليين، بعد أن فتحت السعودية واحدة من أكثر أسواق العقار طلبًا في العالم أمام رؤوس الأموال الأجنبية.
وتقود الشركة مشروع “مسار” العملاق، وهو تطوير حضري بقيمة 27 مليار دولار يهدف إلى إضافة آلاف الوحدات السكنية وغرف الفنادق ومرافق تجارية جديدة.
ومنذ إدراج الشركة في السوق العام الماضي، ارتفع سهمها بنحو 17%، مدعومًا بدخول مؤسسات استثمارية عالمية كبرى مثل BlackRock وVanguard Group وHSBC Holdings، وفق بيانات جمعتها بلومبيرغ.
وبعد نحو عقد على إطلاق “رؤية 2030”، تواجه السعودية واقعًا ماليًا أكثر تعقيدًا. فقد تعثرت أجزاء أساسية من مشروع نيوم البالغة كلفته 1.5 تريليون دولار، وتراجعت أسعار النفط عن ذروتها، وبدأ عجز الموازنة بالاتساع مجددًا.
وردًا على ذلك، يتجه محمد بن سلمان إلى تقليص الاعتماد على المشاريع فائقة الطموح، والتركيز على قطاعات ذات عائد أسرع وأكثر موثوقية مثل السياحة والتمويل والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، برزت مكة باعتبارها أصلًا استراتيجيًا نادرًا: مدينة ذات طلب عالمي مستدام، في عالم يُقدَّر فيه عدد المسلمين بأكثر من ملياري نسمة، والإسلام هو الدين الأسرع نموًا عالميًا.
وقد سمحت الحكومة السعودية العام الماضي للشركات الأجنبية بالاستثمار في مطوري العقارات في مكة، وفي خطوة أكثر جرأة، فتحت هذا العام مسارًا قانونيًا يتيح للمسلمين في الخارج تملك العقارات داخل المدينة.
وتشير تقديرات باحثي MEED إلى أن مشاريع عقارية بقيمة تقارب 60 مليار دولار قيد التخطيط أو التنفيذ بالفعل.
وأدت هذه التغييرات إلى قفزات حادة في الأسعار، إذ جرى تداول الأراضي القريبة من المسجد الحرام عند نحو 87 ألف دولار للمتر المربع، وهو من بين أعلى المستويات عالميًا.
وقال أبو عتيق: “مكة أصبحت على رادار كبار المستثمرين في العالم”، مشيرًا إلى أن صندوق الاستثمارات العامة لا يزال يحتفظ بحصة كبيرة في شركته.
ويرى وسطاء عقاريون أن مكة والمدينة المنورة ستتحولان إلى أبرز وجهتين للاستثمار العقاري الديني عالميًا. وقال جورج عازر، رئيس Sotheby’s International Realty في دبي والسعودية، إن الأسعار في مكة “تشبه مونتي كارلو أكثر مما تشبه مدن الشرق الأوسط”.
غير أن هذا التوسع السريع يثير جدلًا متزايدًا. فبعض المسلمين يشتكون من الزحام الدائم وارتفاع التكاليف، فيما يحذر أكاديميون من طمس معالم تاريخية.
وقال أميد صافي، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ديوك، إن التوسع العمراني “غيّر ملامح المدينة بشكل جذري”، مضيفًا أن “جبالًا أزيلت بالكامل لإقامة فنادق فاخرة، مع اعتبار محدود لتاريخ مكة”.
في المقابل، يرى مؤيدو المشروع أن زيادة الطاقة الفندقية قد تخفف التكاليف على المدى الطويل. لكن الواقع يشير إلى أن تكلفة الحج ارتفعت بشكل لافت؛ إذ دفع حجاج من المملكة المتحدة العام الماضي ما بين 9,500 و13,600 دولار، أي ضعف ما كانت عليه قبل جائحة كورونا.
ورغم المخاوف، يراهن المستثمرون على حقيقة واحدة: الطلب على مكة لا ينضب. ففي منتدى دافوس هذا العام، أعلن مسؤول رفيع في صندوق الثروة السيادي الإندونيسي دانانتارا عن خطط لاستثمار أكثر من مليار دولار في مكة، في خطوة تعكس اهتمام دول ذات كثافة سكانية مسلمة عالية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الرياض هو تحقيق توازن دقيق بين قدسية المكان ومتطلبات الربحية، وبين الحفاظ على هوية المدينة واستيعاب ملايين الحجاج سنويًا.
لكن في حسابات محمد بن سلمان، تبدو مكة اليوم الرهان الأكثر أمانًا في اقتصاد يبحث عن يقين وسط عالم متقلب—مدينة ستبقى، مهما تغيّرت الظروف، قلب العالم الإسلامي.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74043