تعديل اقتصادي حساس في الرياض: تغيير وزير الاستثمار بأمر ملكي

أعلنت المملكة العربية السعودية عن استبدال وزير الاستثمار خالد بن عبد العزيز الفالح، أحد أكثر أعضاء الحكومة حضوراً على الساحة الدولية وأطولهم خدمة في الملف الاقتصادي، في خطوة تعكس ضغوطاً متزايدة تواجهها الرياض في مساعيها لجذب الاستثمارات الأجنبية، بالتزامن مع مراجعة وتخفيض عدد من مشاريعها العملاقة.

وجاء التغيير بتعيين فهد بن عبد الجليل السيف، أحد كبار التنفيذيين في صندوق الاستثمارات العامة، وزيراً للاستثمار، في إطار تعديل وزاري أوسع.

ويأتي هذا التحول في لحظة دقيقة من مسار رؤية 2030، التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، وسط تباطؤ اقتصادي وتراجع في إيرادات النفط.

والفالح، المعروف بصراحته وحدّة خطابه أحياناً، لم يُخفِ في الأسابيع الأخيرة تشككه في جدوى بعض المشاريع فائقة الطموح، وعلى رأسها مشروع المدينة الخطية العاكسة «ذا لاين» في نيوم، الذي يمتد بطول 170 كيلومتراً ويجري حالياً تقليص نطاقه.

كما ارتبط اسمه بسياسة الضغط على الشركات الأجنبية، عبر اشتراط نقل مقارها الإقليمية إلى الرياض مقابل الحصول على عقود حكومية، وهي سياسة أثارت جدلاً واسعاً في أوساط المستثمرين.

ورغم إقالته من حقيبة الاستثمار، احتفظ الفالح بالصفة الوزارية وعضوية مجلس الوزراء، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان قد أُبعد فعلياً أم أُعيد توزيع أدواره داخل الحكومة.

ويُعد الفالح من الوجوه الاقتصادية البارزة، إذ شغل سابقاً مناصب حساسة، من بينها قيادة أرامكو السعودية، ولعب دوراً محورياً في فتح الاقتصاد السعودي أمام الاستثمار الدولي خلال السنوات الماضية.

في المقابل، يمثل فهد السيف توجهاً مختلفاً. فهو مصرفي متمرس يتمتع بسمعة قوية في الأسواق المالية العالمية، وكان من أبرز مهندسي دخول السعودية إلى أسواق الدين الدولية، إذ قاد الترويج لأول إصدارات السندات السيادية للمملكة.

كما اضطلع بدور رئيسي في تنسيق عمليات الاقتراض الضخمة لصندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدَّر أصوله بنحو تريليون دولار، إلى جانب ديون الشركات التابعة له.

غير أن التحدي الذي ينتظر السيف في وزارة الاستثمار يبدو أكثر تعقيداً. فإقناع مستثمري السندات بشراء ديون سعودية ذات تصنيف ائتماني مرتفع يُعد أسهل بكثير من جذب استثمارات أجنبية مباشرة طويلة الأجل، وهي النوع الذي تحتاجه المملكة لتحقيق تحول اقتصادي حقيقي.

فهذه الاستثمارات لا تبحث فقط عن عوائد مالية، بل عن بيئة مستقرة، وقواعد واضحة، وثقة طويلة الأمد.

وكان الفالح قد وضع هدفاً طموحاً يتمثل في جذب 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2030. لكن الأرقام الفعلية لم تصل إلا إلى أقل من نصف هذا الرقم، ما جعل تحقيق الهدف موضع تساؤل متزايد.

ويرث السيف هذا الهدف في وقت أصبحت فيه المنافسة الإقليمية على رؤوس الأموال أكثر شراسة، من الخليج إلى شرق المتوسط وآسيا.

ويأتي هذا التغيير أيضاً في ظل تخلي الرياض أو إعادة ضبط بعض المشاريع العملاقة بسبب القيود المالية وتغير الأولويات. فمع انخفاض أسعار النفط وتباطؤ النمو، باتت الحكومة أكثر حذراً في إدارة الإنفاق، مركّزة على القطاعات القادرة على تحقيق عوائد أسرع، مثل الصناعة المتقدمة، والتقنية، والسياحة.

كما يعكس استبدال وزير الاستثمار إدراكاً رسمياً بأن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة لجذب رأس المال الأجنبي: مقاربة تقوم على الإقناع والثقة والاستدامة، لا على الضغط والالتزام القسري.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.