الغارديان: صراع السعودية والإمارات يفتح أبواب الفوضى الإقليمية

حذّرت افتتاحية لصحيفة الغارديان البريطانية من أن تصاعد الخلافات بين السعودية والإمارات لا يهدد توازن الخليج فحسب، بل ينذر بأن يدفع آخرون في المنطقة ثمن هذا التصادم، من اليمن إلى السودان، مروراً بالقرن الأفريقي وفلسطين.

فبعد سنوات من التحالف الوثيق الذي قاده فعلياً محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، بدأت الشراكة السعودية–الإماراتية تتفكك على وقع تناقضات استراتيجية عميقة وتنافس اقتصادي وسياسي حاد.

وكان هذا التحالف في ذروته عام 2017، حين قادت الدولتان حصاراً على قطر، في خطوة زعزعت التجارة وألحقت أضراراً واسعة بحياة الناس والاستقرار الإقليمي.

آنذاك، قدّم محمد بن زايد نفسه في واشنطن بوصفه الداعم والمرشد لولي العهد السعودي الشاب، وروّج له بقوة داخل دوائر النفوذ الأميركية.

كما استلهمت الرياض جوانب من «النموذج الإماراتي»، وتدخل الطرفان معاً في اليمن ضد الحوثيين، في حرب كلّفتهما أثماناً بشرية وسياسية باهظة، فيما عملا بالتوازي على احتواء الربيع العربي ودعم الحكم السلطوي في مصر والبحرين.

لكن بحلول عام 2023، انقلب المشهد. فقد خرجت الخلافات إلى العلن، مع اتهام ولي العهد السعودي للإمارات بـ«طعننا في الظهر».

وبرز التصدع بوضوح في اليمن، حين حقق الانفصاليون الجنوبيون المدعومون من أبوظبي تقدماً لافتاً في المناطق الغنية بالنفط، قبل أن تتدخل قوات مدعومة من الرياض لإخراجهم.

ووصل الأمر بالسعودية إلى التعامل مع السلوك الإماراتي كتهديد لأمنها القومي، بينما اشتكى مسؤول إماراتي رفيع من «خبث» الحملة الإعلامية السعودية ضد بلاده.

وترى الغارديان أن هذا الانفصال نتاج اختلافات استراتيجية متراكمة. فالسعودية باتت تركّز على التحول الداخلي ضمن «رؤية 2030»، وتبحث عن بيئة إقليمية مستقرة لجذب الاستثمار.

كما أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أنهى عملياً عزلة الرياض الغربية التي فُرضت بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي، ووسّع هامش مناورتها الدبلوماسية.

في المقابل، تتبع الإمارات سياسة خارجية أكثر اندفاعاً، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التغييرات الجذرية، خصوصاً في مواجهة الحركات الإسلامية، هي شرط للاستقرار طويل الأمد.

وقد تعمّق هذا التباين مع تقارب أبوظبي المتزايد مع إسرائيل، مقابل استياء إماراتي من الضغوط السعودية داخل أوبك، ومن انتقال شركات كبرى إلى المملكة بعد قرار الرياض قصر العقود الحكومية على الشركات التي تتخذ مقرات إقليمية لها داخل السعودية.

ويضاف إلى ذلك سباق النفوذ في واشنطن، حيث يسعى الطرفان إلى توطيد علاقات مالية وسياسية مع عائلة دونالد ترامب. كما تتباين رهاناتهما الدفاعية: السعودية تبحث عن تفاهمات أمنية مع تركيا وباكستان، بينما تطمح الإمارات إلى اتفاق مماثل مع الهند.

ورغم أن المحللين لا يتوقعون مواجهة شاملة على غرار أزمة قطر، إلا أن تداعيات التصدع قد تكون عميقة. فسياسة «الحروب بالوكالة» تظل سمة أساسية للقوى الخليجية، وقد برزت الإمارات بشكل خاص في هذا النهج.

إذ دعمت خليفة حفتر في ليبيا، وأسهم ذلك في إطالة أمد الفوضى. كما تتزايد الأدلة، رغم النفي، على دعمها قوات الدعم السريع في السودان، ما يثير مخاوف من تعميق حرب وحشية تمزق البلاد.

وتحذّر الصحيفة أيضاً من أدوار إماراتية مثيرة للقلق في سوريا، ومن اتهامات الصومال لأبوظبي بممارسة «أعمال عدائية» عبر علاقاتها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي.

وتخلص الغارديان إلى أن المصالح السعودية والإماراتية تتباعد بوضوح، وحتى لو جرى احتواء الخلاف سياسياً، فإن الخطر الحقيقي يكمن في أن مسارات السلام وإعادة الإعمار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ستصبح أكثر تعقيداً.

ومع غياب استراتيجية إقليمية متماسكة، تبدو الآفاق الهشة أصلاً لإقامة دولة فلسطينية أكثر هشاشة. ولهذا، فإن تداعيات الانقسام السعودي–الإماراتي لن تقتصر على الخليج وحده، بل ستطال المنطقة بأكملها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.