قبل ثلاث سنوات فقط، ساد في واشنطن قلق متزايد من أن الصين بصدد التحول إلى وسيط قوة صاعد في الشرق الأوسط، وهي منطقة هيمنت عليها الولايات المتحدة لعقود.
وتوّج هذا التصور في مارس/آذار 2023 عندما أعلنت السعودية وإيران استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة، إثر مفاوضات سرية لم تُعقد في واشنطن ولا في المنطقة، بل في بكين. حينها، بدت الخطوة وكأنها لحظة فارقة تُعلن دخول الصين نادي الوسطاء الكبار.
غير أن تقريرًا مطوّلًا نشرته Bloomberg يشير إلى أن تلك «اللحظة» سرعان ما تلاشت. فمنذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أشعلت حرب غزة وما تبعها من إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، تراجعت الصين إلى مقعد خلفي في كل القضايا السياسية الكبرى، وبات نفوذها يبدو محدودًا وهامشيًا مقارنة بالحضور الأميركي المتجدد.
ويقول مايكل سينغ، المدير الأسبق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة جورج دبليو بوش، إن «الصين بدت حاضرة في كل مكان في سياسات الشرق الأوسط خلال الولاية الأولى لترامب وعهد بايدن، وجسّد الاتفاق السعودي–الإيراني ذلك، لكن هذا التحدي الصيني بدأ يتراجع الآن».
وتجلى هذا التراجع بوضوح مع غياب بكين شبه الكامل عن إدارة تداعيات حرب غزة، رغم حجمها الاقتصادي وعلاقاتها الواسعة في المنطقة.
فمنذ هجمات حماس في أكتوبر 2023، كانت الولايات المتحدة اللاعب المحوري في كل مرحلة: وسيطًا في مفاوضات التهدئة، وداعمًا عسكريًا لإسرائيل، ومنخرطة مباشرة في إدارة التصعيد.
في المقابل، أظهرت الصين استعدادًا محدودًا لإنفاق رأسمال سياسي أو موارد دبلوماسية عندما تطلبت الأزمات انخراطًا طويل النفس، مكتفية بخطابات عامة ودعوات إلى التهدئة.
ودفع هذا الواقع محللين إلى التشكيك في قدرة بكين على ترجمة نفوذها الاقتصادي إلى وزن سياسي فعلي. فرغم أن الصين بنت حضورها في الشرق الأوسط انطلاقًا من «العطش إلى النفط» منذ أصبحت مستوردًا صافيًا للطاقة عام 1993، ونجحت في كسب ودّ دول الخليج عبر التجارة والاستثمارات وتجنب انتقاد قضايا حقوق الإنسان، فإن الأزمات الكبرى كشفت محدودية هذا النموذج.
وعلى مدى عقدين، تحولت الصين أيضًا إلى مصدر رئيسي للسلع والتكنولوجيا في المنطقة، من الإلكترونيات إلى الطاقة الشمسية والاتصالات والمركبات الكهربائية.
ومع إطلاق الرئيس شي جين بينغ مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013، انسجم الشرق الأوسط مع الرؤية الصينية، فاستقطبت مصر مطورين صينيين لبناء عاصمتها الجديدة، وترسخت هواوي في شبكات الاتصالات الخليجية، وقفز حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية إلى نحو 400 مليار دولار عام 2023.
لكن حين انتقلت المنطقة إلى طور الصراع المفتوح، بدت الصين غير راغبة أو غير قادرة على لعب دور الضامن الأمني. ففي مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، قادت مصر وقطر وواشنطن الجهود الأساسية، بينما غابت بكين عن غرف القرار.
وحتى محاولتها استضافة فصائل فلسطينية في يوليو/تموز 2024، وإعلان «إعلان بكين» لإنهاء الانقسام، وُصفت سريعًا بأنها خطوة رمزية بلا أثر عملي.
الأمر ذاته انسحب على البحر الأحمر، حيث اكتفت الصين بحماية سفنها، بينما قادت الولايات المتحدة تحالفًا بحريًا ضد هجمات الحوثيين. كما أن الضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران الماضي شكّلت اختبارًا حاسمًا: فالصين، الشريك الاستراتيجي لطهران، اكتفت ببيانات دبلوماسية، وبقيت عمليًا متفرجة.
وتقول منى يعقوبيان، الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن «ما بعد السابع من أكتوبر أظهر بوضوح حدود ما تستطيع الصين القيام به. لم يعد أحد يتحدث عنها كقوة تقود الدور الاستراتيجي في الشرق الأوسط».
ورغم ذلك، تؤكد بلومبيرغ أن التراجع سياسي أكثر منه اقتصادي. فحجم تجارة الخليج مع الصين بلغ 257 مليار دولار في 2024، متجاوزًا تعاملاته مع الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعة، وتواصل الشركات الصينية التوسع في البنية التحتية والطاقة المتجددة والتمويل.
لكن في ميزان الجغرافيا السياسية، يبدو أن الصين لم تحسم بعد خيار التحول من شريك تجاري ضخم إلى قوة قادرة على تحمّل كلفة القيادة الأمنية في منطقة شديدة الاضطراب.
وتشير التحليلات إلى أن هجمات السابع من أكتوبر لم تغيّر الشرق الأوسط وحده، بل كشفت أيضًا أن «لحظة الصين» التي بدت وشيكة قبل أعوام لم تنضج بعد، وأن النفوذ الحقيقي في أوقات الأزمات ما زال مرتبطًا بالقدرة على التدخل، لا بحجم التجارة فقط.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73885