واشنطن بوست: ترشيح المالكي يضع العراق على حافة العقوبات الأمريكية

كشفت واشنطن بوست الأمريكية تفاصيل غير مسبوقة عن تدخل أمريكي مباشر في مسار اختيار رئيس الوزراء العراقي المقبل، بعد أن تجاهل نوري المالكي تحذيرًا صريحًا من إدارة الرئيس دونالد ترامب بعدم دعمه لتولي المنصب، في خطوة سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية مفتوحة تهدد مستقبل العملية السياسية في بغداد.

وبحسب الصحيفة، فإن عددًا من أبرز القادة السياسيين الشيعة اجتمعوا نهاية الأسبوع الماضي في لقاء مغلق لحسم مرشح رئاسة الحكومة رسميًا، عندما فاجأ عمار الحكيم، رجل الدين الشيعي وأحد أكثر السياسيين نفوذًا في العراق، الحضور بقراءة رسالة وصفها المشاركون بـ«الاستثنائية»، قال إنه تلقاها من إدارة ترامب.

وبحسب الصحيفة فإن الرسالة أوضحت بلهجة حازمة أن واشنطن تعارض بشدة اختيار نوري المالكي، وتنظر إلى ولايته السابقة «بنظرة سلبية».

ومثّلت الرسالة، بحسب الحاضرين، أول تدخل مباشر وعلني من هذا النوع من قبل إدارة أمريكية في السياسة الداخلية العراقية منذ سنوات، وهدفت بوضوح إلى منع عودة المالكي، الذي تعتبره واشنطن قريبًا جدًا من إيران، ومرتبطًا بالميليشيات المسلحة الموالية لطهران، والتي تملك نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة.

وشددت الرسالة، التي اطّلعت عليها واشنطن بوست وأكد مضمونها ثلاثة من المشاركين في الاجتماع، على أن اختيار رئيس الوزراء «قرار سيادي عراقي»، لكنها أضافت تحذيرًا واضحًا مفاده أن الولايات المتحدة ستتخذ بدورها «قراراتها السيادية بما يتوافق مع مصالحها».

وأكدت الرسالة أن واشنطن تريد حكومة عراقية «تُضعف الإرهاب المدعوم من إيران» و«تفكك الميليشيات الإرهابية».

وبحسب أحد الحاضرين، بدا المالكي «مذهولًا» عند قراءة الرسالة أمام قادة «الإطار التنسيقي»، التحالف الشيعي الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات نوفمبر.

وقال مشارك آخر إن بعض القادة تساءلوا عن الجهة التي تقف خلف الرسالة داخل الإدارة الأمريكية، قبل أن يتضح، وفق مصدر مطلع، أن الرسالة نُقلت عبر جوشوا هاريس، القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية ببغداد.

ورغم التحذير، مضى قادة الإطار التنسيقي قدمًا في ترشيح المالكي، مع امتناع عدد من الأعضاء عن التصويت، في إشارة إلى انقسام داخلي متزايد. وقال الحاضرون إن المالكي لم يأخذ التحذير الأمريكي على محمل الجد، واعتبره قابلًا للاحتواء أو التراجع.

لكن هذا التقدير لم يصمد طويلًا. ففي يوم الثلاثاء، صعّد ترامب الموقف بنفسه، ونشر رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قال فيها إن الولايات المتحدة «لن تساعد العراق بعد الآن» إذا عاد المالكي إلى رئاسة الوزراء، واصفًا سياساته وأفكاره بأنها «مجنونة». هذا التصريح العلني نقل الضغط الأمريكي من الغرف المغلقة إلى العلن، ووضع القادة العراقيين أمام اختبار صعب.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تكثف فيه واشنطن جهودها للحد من النفوذ الإيراني في العراق، بما في ذلك السعي لتقييد تدفقات الأموال من إيران، ودراسة خيارات عسكرية أوسع في المنطقة. وقد تزامن ذلك مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» وقطع بحرية إضافية إلى المنطقة هذا الأسبوع.

ومنذ الغزو الأمريكي عام 2003، سعت كل من الولايات المتحدة وإيران للتأثير في تشكيل الحكومات العراقية، لكن منشور ترامب مثّل مستوى غير مسبوق من العلنية والضغط.

ويقول مسؤولون عراقيون إن البلاد باتت أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التراجع عن ترشيح المالكي بطريقة مهينة سياسيًا، أو مواجهة عواقب اقتصادية قاسية.

ويخشى مسؤولون في بغداد من أن يؤدي تجاهل واشنطن إلى فرض عقوبات أو تقييد وصول العراق إلى الدولار، علمًا بأن عائدات النفط العراقية تُودَع في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يوزع الأموال شهريًا على الحكومة العراقية لتغطية التزاماتها المالية.

وقد زاد من تعقيد المشهد الدعم الإيراني العلني للمالكي. فقد سلّم إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس، رسالة من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تضمنت مباركته لترشيح الإطار التنسيقي، خلال زيارة إلى بغداد، بحسب مصادر مطلعة. وكانت طهران تعتقد أن القادة الشيعة توصلوا إلى توافق نهائي حول المالكي.

وبرغم إصرار المالكي العلني على رفض «التدخل الأمريكي السافر»، يرى مراقبون أن هامش المناورة أمامه يضيق بسرعة.

وقالت فيكتوريا تايلور، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابقة لشؤون العراق وإيران، إن من الصعب تصور أن يمضي التحالف الشيعي قدمًا في ترشيحه الآن، محذرة من أن ذلك سيُعد في نظر إدارة ترامب «اختيارًا صريحًا للجانب الإيراني».

وفي ظل أجواء «الحيرة والتردد» التي تسود اجتماعات الإطار التنسيقي، يبدو أن تجاهل المالكي للتحذير الأمريكي فتح فصلًا جديدًا من الصراع السياسي في العراق، فصلٌ تتداخل فيه السيادة مع الضغوط الخارجية، وتُرسم فيه ملامح الحكومة المقبلة تحت سقف التوازنات الدولية لا صناديق الاقتراع وحدها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.