زار وزير التربية والتعليم الإسرائيلي يوآف كيش دولة الإمارات العربية المتحدة للمرة الأولى، على رأس وفد رسمي من وزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم العالي، في الفترة من 11 إلى 16 يناير/كانون الثاني الجاري.
وروجت وسائل إعلام عبرية للزيارة بوصفها محطة “تعاون أكاديمي” بين الجانبين، في وقت تتواصل فيه جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، رغم الإعلان عن وقف الحرب.
وجاءت الزيارة، التي كشفت عنها صحيفة إسرائيل هيوم ووكالة أنباء الإمارات (وام)، في إطار ما تسميه أبوظبي “توسيع الشراكات التعليمية والأكاديمية”، إلا أن توقيتها ومضامينها أثارا انتقادات حادة، خصوصًا مع انخراط الإمارات في تعميق علاقاتها مع حكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة، في ذروة واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
وخلال الزيارة، التقى كيش بوزيرة التربية والتعليم الإماراتية سارة بنت يوسف الأميري، إضافة إلى مسؤولين كبار، وجال في مؤسسات أكاديمية بارزة، من بينها جامعة خليفة وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
وبحسب البيانات الرسمية، بحث الجانبان سبل التعاون في مجالات التعليم والتعليم العالي، وتعزيز الأبحاث المشتركة، ودراسة مشروع مشترك في مجال الذكاء الاصطناعي.
غير أن ما أثار جدلًا واسعًا هو إدراج قضايا تتعلق بالمناهج التعليمية، بما في ذلك تناول “دولة إسرائيل والمحرقة” في سياق النظام التعليمي الإماراتي، وهو ما اعتبره منتقدون خطوة تتجاوز التعاون الأكاديمي إلى إعادة صياغة السرديات التاريخية بما يخدم الرواية الإسرائيلية، في تجاهل شبه كامل لمعاناة الفلسطينيين وواقع الاحتلال.
وروجت “وام” للزيارة باعتبارها دليلًا على “التقدم الكبير” الذي حققته الإمارات في قطاع التعليم، زاعمة أن التجربة التعليمية الإماراتية باتت نموذجًا عالميًا محل اهتمام دولي. إلا أن مراقبين رأوا في هذا الخطاب محاولة لتجميل تطبيع متسارع، يجري بمعزل عن أي اعتبارات أخلاقية أو سياسية تتعلق بسلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة.
في المقابل، كشفت وسائل إعلام عبرية عن أبعاد غير معلنة للزيارة، مشيرة إلى فرض رقابة صارمة على تفاصيلها من الجانب الإسرائيلي.
وذكرت صحيفة “ذا ماركر” أن مكتب كيش امتنع عن الإفصاح عن برنامج الزيارة أو أهدافها الحقيقية “لأسباب أمنية”، في تعتيم لافت يعكس حساسية التحركات الإسرائيلية في المنطقة، حتى لدى حلفائها الجدد.
ونقلت مصادر سياسية في تل أبيب أن كيش، القيادي في حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، زار الإمارات برفقة موظفين من مكتبه وزوجته تال، دون إعلان مسبق، وأنه قرر عدم الإدلاء بأي تصريحات حول الزيارة إلا بعد انتهائها، بما في ذلك تفاصيل تكلفتها والجهات التي التقاها.
ورغم هذا التعتيم، نشرت “وام” تقريرًا عن اجتماع جمع كيش وسفير الاحتلال لدى أبوظبي يوسي شيلي مع علي راشد النعيمي، المسؤول الأمني البارز ورئيس لجنة الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، في مؤشر واضح على أن الزيارة لم تكن تعليمية بحتة، بل حملت أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز الجامعات وقاعات البحث العلمي.
كما ساهمت تسريبات إعلامية عبرية، بينها صورة نشرها مراسل القناة 12 يوسي مزراحي، في كشف جانب من الزيارة التي حاولت إسرائيل إبقاءها بعيدًا عن الأضواء، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب العلني الإماراتي والحرص الإسرائيلي على إدارة التطبيع بحسابات أمنية دقيقة.
وتأتي زيارة كيش بعد أسابيع فقط من زيارة وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف إلى دبي، في سياق حراك إسرائيلي متزايد داخل الإمارات، وسط صمت رسمي إماراتي عن طبيعة هذه الزيارات وحدودها، وتجاهل شبه كامل للرأي العام العربي الغاضب من استمرار العدوان على غزة.
وبينما تسوّق أبوظبي هذه التحركات تحت عناوين “التعاون” و”التبادل المعرفي”، يرى منتقدون أن الإمارات تواصل لعب دور الشريك السياسي لإسرائيل، مستخدمة بوابة التعليم والذكاء الاصطناعي لتطبيع أعمق، يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة تشكيل الوعي والسرديات، في وقت تُدفن فيه القيم الأخلاقية وحقوق الشعوب تحت ركام غزة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73737