كشف تسريب جديد لرسائل بريد إلكتروني عن تورط مباشر لنخبة اقتصادية إماراتية في مسار تطبيع سري مع إسرائيل، سبق اتفاقيات أبراهام بسنوات، وبوساطة الممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.
وتظهر الوثائق، التي نشرتها منصة «دروب سايت نيوز» وتناولها موقع «ميدل إيست آي»، أن أبوظبي لم تنتقل إلى التطبيع من بوابة السياسة العلنية، بل عبر قنوات خلفية جمعت المال والموانئ والاستخبارات.
وبحسب الرسائل، لعب إبستين دور الوسيط بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك وسلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي السابق لشركة موانئ دبي العالمية، في اجتماعات سرية تعود إلى عام 2013.
وتكشف المراسلات أن التواصل لم يكن عارضاً، بل منظماً ومستمراً، وأن الهدف كان اختبار فرص التعاون والاستثمار مع إسرائيل في وقت كانت فيه الإمارات تنفي أي علاقة رسمية.
وتكتسب خطورة هذه التسريبات من موقع بن سليم داخل بنية الحكم الإماراتي، إذ تقود شركته «موانئ دبي العالمية» أحد أهم أذرع النفوذ الاقتصادي للدولة.
فالشركة، المملوكة لإمارة دبي، ليست كياناً تجارياً محايداً، بل أداة سياسة خارجية توسعت في الموانئ والممرات البحرية الحساسة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا، بالتوازي مع طموحات أمنية وعسكرية.
وتوضح الرسائل أن إبستين قدم بن سليم لباراك باعتباره «اليد اليمنى لمكتوم»، في إشارة مباشرة إلى محمد بن راشد آل مكتوم. هذا الوصف، الوارد حرفياً في المراسلات، ينسف أي محاولة لتصوير اللقاءات على أنها مبادرات شخصية، ويضعها في سياق علاقة عضوية بين رأس المال الإماراتي والقرار السياسي.
وفي يوليو 2013، سعى إبستين إلى تسهيل استثمار إماراتي في سلسلة لوجستية إسرائيلية، طالباً رأي باراك في الخطوة. رد الأخير بأن الوقت «مبكر جداً»، لكنه لم يرفض الفكرة من حيث المبدأ، بل ربطها بتطورات سياسية لاحقة، مؤكداً ضرورة التفكير في «كيفية الاستفادة من هذه المعرفة».
وتقوض هذه الوقائع الرواية الرسمية التي سوقت لها الإمارات والولايات المتحدة لاحقاً، والتي قدمت اتفاقيات أبراهام عام 2020 على أنها اختراق تاريخي مفاجئ.
إذ أن ما تكشفه الرسائل هو أن التطبيع كان قائماً فعلياً، وأن الإعلان لم يكن سوى إخراج سياسي لمسار طويل من التنسيق الأمني والتجاري، جرى بعيداً عن أي مساءلة شعبية أو التزام بالقضية الفلسطينية.
وتبرز «موانئ دبي العالمية» في قلب هذا المسار. فالشركة، التي تدير وتستثمر في عشرات الموانئ حول العالم، كانت ولا تزال محط جدل بسبب دورها في مناطق نزاع، من اليمن إلى القرن الأفريقي.
ومع تصاعد التنافس مع السعودية على النفوذ البحري في البحر الأحمر، تعود الشكوك حول تداخل مصالح الشركة مع أجندات إسرائيلية، خاصة في مشاريع الممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد البديلة.
وتتجاوز الفضيحة حدود الإمارات لتطال طبيعة الشبكة التي تحركت من خلالها. فإبستين، الذي عُثر عليه ميتاً في سجنه عام 2019، لم يكن مجرد ممول نافذ، بل كشفت رسائله عن أدوار تشبه «الدبلوماسي الموازي»، نسق لقاءات أمنية وتدخل في ملفات حساسة. علاقاته شملت شخصيات مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية، مثل روبرت ماكسويل، ورجال أعمال داعمين للوبيات المؤيدة لتل أبيب.
الأكثر إثارة أن أولى مراسلات إبستين مع بن سليم تعود إلى عام 2007، أي في وقت كان إبستين يواجه بالفعل اتهامات بالاعتداء الجنسي.
ورغم ذلك، استمرت العلاقة، ووصلت إلى حد استضافة المسؤول الإماراتي في جزيرة إبستين الخاصة «ليتل سانت جيمس». بعض الرسائل المتبادلة تضمنت نكات بذيئة، ما يعكس مستوى الانكشاف الأخلاقي الذي أحاط بتلك العلاقة، بالتوازي مع حساسيتها السياسية.
وتكشف هذه الوثائق أن الإمارات لم تكن مجرد طرف «منجرف» نحو التطبيع تحت ضغوط دولية، بل لاعباً مبادراً، استخدم المال والموانئ والوسطاء المشبوهين لنسج علاقات مع إسرائيل قبل أي غطاء رسمي. وهي معطيات تضع علامات استفهام حادة حول خطاب أبوظبي عن «السلام» و«الاستقرار»، وتظهر أن ما جرى كان صفقة مصالح باردة، لا تحولاً سياسياً نابعاً من قناعات أو التزامات معلنة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73701