هدوء حذر يعود إلى حلب بعد تفاهم أنهى الاشتباكات بين الجيش وقوات قسد

عاد الهدوء الحذر إلى مدينة حلب، شمالي سوريا، عقب التوصل إلى تفاهم أفضى إلى وقف إطلاق النار بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، منهياً أياماً من الاشتباكات الدامية التي تركزت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وأدت إلى موجة نزوح واسعة.

وأعلنت السلطات السورية أن الوضع الأمني في حلب «عاد إلى طبيعته»، فيما أكد محافظ المدينة أن الاستقرار يسود الحيين اللذين شهدا القتال منذ السادس من يناير، بعد انسحاب المقاتلين الأكراد منهما.

وأفادت وسائل الإعلام الرسمية بنزوح أكثر من 150 ألف شخص خلال أيام القتال، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي تشهدها المدينة منذ سنوات.

ورغم إعلان وقف إطلاق النار، فرض الجيش السوري طوقاً أمنياً حول الشيخ مقصود والأشرفية، مانعاً السكان من العودة فوراً، بسبب استمرار عمليات تمشيط الأحياء وإزالة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة.

واصطف عشرات الأهالي، منذ ساعات الصباح الأولى وتحت المطر، بانتظار السماح لهم بالدخول للاطمئنان على منازلهم وممتلكاتهم.

وقالت غادة راعي، البالغة من العمر 53 عاماً، إنها اضطرت إلى الفرار من منزلها يوم الثلاثاء الماضي «تحت وابل من النيران»، مع اندلاع الاشتباكات.

وأضافت أن مشاهد النزوح أعادت إليها ذكريات موجعة من سنوات الحرب، موضحة أنها نزحت أربع مرات منذ عام 2011. وقالت بنبرة يائسة: «في كل مرة كان منزلنا يُدمَّر. لقد طفح الكيل. نريد فقط العودة إلى ديارنا الآن. إلى أين نذهب غير ذلك؟».

وفي الساعات الأولى من صباح الأحد، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي التوصل إلى «تفاهم يؤدي إلى وقف إطلاق النار» بوساطة دولية، مشيراً إلى أن الاتفاق يتيح إجلاء القتلى والجرحى والمدنيين المحاصرين، إضافة إلى المقاتلين، من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه مناطق شمال وشرق سوريا.

في المقابل، نفت قوات الأمن الداخلي الكردية (الأسايش) رواية دمشق بشأن «استسلام» قواتها، مؤكدة أن وقف إطلاق النار جاء حصراً «لحماية المدنيين ومنع إلحاق مزيد من الأذى بهم»، في محاولة لاحتواء تداعيات القتال داخل المدينة المكتظة بالسكان.

وجاءت هذه التطورات في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة، إذ أعلن المبعوث الأميركي توم باراك أنه التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، داعياً جميع الأطراف إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ووقف الأعمال العدائية فوراً والعودة إلى الحوار».

وتزامنت هذه الدعوات مع غارات أميركية متفرقة استهدفت مواقع لتنظيم «داعش» في مناطق مختلفة من سوريا، ما زاد من تعقيد المشهد الأمني العام.

وكانت الاشتباكات في حلب قد اندلعت بعد تصعيد ميداني مفاجئ بين الجيش السوري وقسد، وسط توتر متراكم بشأن مستقبل الوجود الكردي في شمال البلاد، ومحاولات دمج الإدارة الذاتية شبه المستقلة ضمن مؤسسات الدولة المركزية.

ويشير مراقبون إلى أن العنف الأخير زاد من هشاشة هذه العملية، التي كانت متعثرة أصلاً بسبب خلافات سياسية وأمنية عميقة.

ورغم طرد المقاتلين الأكراد من الشيخ مقصود والأشرفية، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، ما يجعل التفاهم الأخير موضع اختبار حقيقي، في ظل غياب تسوية شاملة تنظم العلاقة بين دمشق والقوى الكردية.

وبينما يترقب السكان خطوات عملية تضمن عودتهم الآمنة إلى منازلهم، يخيم القلق على حلب من أن يكون الهدوء الحالي مؤقتاً، في مدينة أنهكتها سنوات الحرب وتنتظر استقراراً دائماً لم يتحقق بعد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.