كيف تحوّل التحالف السعودي-الإماراتي إلى صراع مفتوح في اليمن؟

لم يكن الخلاف بين السعودية والإمارات وليد لحظة، بل نتاج مسار طويل من التباعد السياسي والاستراتيجي بين دولتين تُعدّان من أقوى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لتتحول الأزمة بين البلدين إلى صراع مفتوح في اليمن.

وأبرزت صحفة نيويورك تايمز الأمريكية أنه بعد سنوات من التنسيق الوثيق، خصوصًا في اليمن وملفات إقليمية أخرى، خرج التوتر الكامن إلى العلن مع حادثة عسكرية مباشرة كشفت عمق الشرخ بين الطرفين.

وأشارت الصحيفة إلى أنه مع صعود محمد بن سلمان وليًا للعهد في السعودية قبل نحو عقد، اعتبره مسؤولون ومحللون في واشنطن نظيرًا طبيعيًا للشيخ محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات.

وقدّم الرجلان نفسيهما كمصلحين سلطويين يقودان مشروعين متوازيين لتحديث بلديهما، وتشاركا عام 2015 في إطلاق تدخل عسكري واسع في اليمن تحت شعار مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران. ثم عززا هذا التحالف عبر موقف مشترك ضد قطر في الأزمة الخليجية.

غير أن هذا التفاهم بدأ يتآكل تدريجيًا. فالبلدان باتا اليوم يقودان مسارين متناقضين في الإقليم، ويدعمان أطرافًا متعارضة في اليمن والسودان، ويتنافسان اقتصاديًا، ويتخذان مواقف مختلفة داخل أسواق الطاقة، ما حوّل الشراكة إلى تنافس حاد.

وبلغ التوتر ذروته هذا الأسبوع عندما استهدفت غارة جوية تقودها السعودية شحنة إماراتية لدى وصولها إلى اليمن، وسط اتهامات رسمية بأن أبوظبي كانت تنقل أسلحة إلى جماعة انفصالية جنوبية.

وشكّل القصف أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الحليفين السابقين، وكشف حجم الانقسام الذي كان يُدار خلف الكواليس.

وجاء هذا التصعيد في سياق صراع أوسع في اليمن، حيث تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بانفصال جنوب البلاد، بينما تساند السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ومع سيطرة الانفصاليين في ديسمبر على مساحات واسعة من الجنوب والشرق، بما فيها مناطق غنية بالنفط كانت ضمن النفوذ السعودي التقليدي، انتقلت الخلافات من السياسة إلى الميدان.

وبالنسبة للرياض، تمثل هذه التحركات تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، نظرًا للحدود الطويلة والمفتوحة مع اليمن. واتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات بالضغط على الجماعة الانفصالية لتنفيذ هجومها الأخير.

في المقابل، نفت أبوظبي نقل أسلحة، وأكدت أن الشحنة المستهدفة لا تحتوي على معدات عسكرية، قبل أن تعلن لاحقًا سحب ما تبقى من قواتها من اليمن «بمحض إرادتها».

لكن اليمن ليس سوى ساحة واحدة من ساحات الخلاف. ففي السودان، تدعم الإمارات «قوات الدعم السريع»، المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب الأهلية، بينما تقف السعودية إلى جانب الجيش السوداني وتستضيف محادثات سلام. ورغم نفي أبوظبي المتكرر، تشير تقارير وأدلة متعددة إلى دور إماراتي مباشر، ما زاد من حدة التباين مع الرياض.

وتعكس هذه الخلافات اختلافًا أعمق في الرؤية. فالسعودية، بعد سنوات من السياسة الخارجية الهجومية، باتت تميل إلى التهدئة واحتواء الأزمات، انسجامًا مع أولويات محمد بن سلمان الاقتصادية، وعلى رأسها «رؤية 2030».

في المقابل، تحولت الإمارات إلى لاعب إقليمي نشط يتجاوز حدوده الجغرافية، مستثمرًا نفوذه المالي والعسكري في أفريقيا والشرق الأوسط، ومشاركًا في هندسة اتفاقات التطبيع مع إسرائيل خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وترى ياسمين فاروق، من «مجموعة الأزمات الدولية»، أن الإمارات تستخدم أدواتها المتنامية لتحقيق طموحات جيو-اقتصادية، بينما تركز السعودية على إدارة الأزمات وتقليل كلفتها.

ويصف محللون هذا التباين بأنه صدام بين نهج براغماتي سعودي ونهج إماراتي أكثر أيديولوجية، خصوصًا في معاداة الإسلام السياسي.

كما ساهم التنافس الاقتصادي في تعميق الهوة. فخطط الرياض لتحويل نفسها إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة والذكاء الاصطناعي باتت تهدد موقع دبي كمحور مالي وتجاري إقليمي.

ومع قرار السعودية عام 2021 الضغط على الشركات الدولية لنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض، خرج التنافس من الإطار الضمني إلى سياسة رسمية.

في واشنطن، يثير هذا الانقسام قلقًا متزايدًا. فالبلدان يُعدّان ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وقدّم كلاهما وعودًا استثمارية ضخمة للولايات المتحدة. واضطر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إجراء اتصالات مكثفة مع الجانبين في محاولة لاحتواء الأزمة.

وعلى المستوى الشعبي والإعلامي، خرج الخلاف عن نطاق البيانات الرسمية. تبادل معلقون ومؤثرون سعوديون وإماراتيون هجمات علنية غير مسبوقة، عكست انتقال الصراع من غرف القرار إلى المجال العام.

وبينما يأمل بعض المحللين أن يؤدي هذا الانفجار العلني إلى تسريع التوصل إلى تفاهم أو صيغة تعايش أوضح، تشير الوقائع إلى أن التباعد بين الرياض وأبوظبي لم يعد تكتيكيًا، بل يعكس اختلافًا بنيويًا في الرؤية والمصالح، جعل الصدام مسألة وقت، وترك اليمن ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية أكبر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.