تشهد العلاقات السعودية–الإماراتية مرحلة حساسة تتزايد فيها مؤشرات التوتر السياسي والاستراتيجي، رغم استمرار المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المشتركة التي تجمع البلدين.
وأبرز موقع (دويتشه فيله) الألماني أنه بينما تحرص الرياض وأبو ظبي على إبقاء الخلافات تحت السيطرة، تكشف ملفات إقليمية ساخنة—من السودان واليمن إلى أسواق النفط والعلاقة مع إسرائيل—عن تباينات عميقة تهدد بتقويض صورة التحالف الوثيق الذي طبع العلاقة بين الرياض وأبوظبي خلال العقد الأخير.
وأورد الموقع أن أحد أبرز مصادر التوتر يتمثل في الحرب الدائرة في السودان، التي تحولت إلى أكبر أزمة إنسانية وأوسع موجة نزوح في العالم.
وبحسب تقرير “دويتشه فيله”، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارة حديثة إلى واشنطن من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ممارسة ضغوط على الإمارات بسبب ما يُقال عن دعمها لقوات الدعم السريع شبه العسكرية.
في المقابل، دعمت السعودية القوات المسلحة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ثم تحولت لاحقًا إلى لعب دور الوسيط.
ورغم نفي أبوظبي المتكرر لأي تورط مباشر في الصراع، فإن الاتهامات بمواصلة تسليح ودعم قوات الدعم السريع تلقي بظلال ثقيلة على العلاقات الثنائية.
وقد اختار رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان عدم الرد علنًا على التحركات السعودية، مكتفيًا بالتأكيد على أن بلاده غير منخرطة في الحرب السودانية.
ويصف كريستيان ألكسندر، الزميل الأول في معهد ربدان للأمن والدفاع، هذا المشهد بأنه «تطور طبيعي لشراكة وثيقة بين قوتين إقليميتين باتتا أكثر ثقة بنفسيهما»، مشيرًا إلى أن سعي كل دولة لتنفيذ أجندتها الوطنية الطموحة يفضي أحيانًا إلى تباينات حادة في السياسات.
وتعود جذور العلاقة الخاصة بين البلدين إلى عام 2015، حين صعد محمد بن سلمان إلى منصب وزير الدفاع، بينما كانت الإمارات فعليًا تحت القيادة السياسية لمحمد بن زايد.
وترى الباحثة سينزيا بيانكو من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن محمد بن زايد رأى في بن سلمان فرصة لبناء تحالف استراتيجي جديد، خصوصًا بعد فتور علاقته مع العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله. هذا التقارب بلغ ذروته عام 2018، لكنه—بحسب بيانكو—جعل حتى الخلافات الصغيرة تبدو كبيرة ومضخّمة.
وظهر أحد هذه الخلافات بوضوح عقب مقتل الصحفي جمال خاشقجي، حين توقعت الرياض دعمًا إماراتيًا مطلقًا، بينما فضّلت أبوظبي التريث خشية انتقال تداعيات الأزمة إلى سمعتها الدولية.
وفي اليمن، برز التباين بشكل أكثر وضوحًا؛ فبينما تدخلت السعودية لإعادة الحكومة المعترف بها دوليًا، اتجهت الإمارات إلى دعم المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي للانفصال، ما قوض—وفق مراقبين—الأهداف السعودية الرامية إلى الحفاظ على وحدة اليمن.
الطاقة والنفط شكّلا بدورهما ساحة تنافس حادة. ففي عام 2021، عارضت الإمارات مساعي السعودية لخفض الإمدادات داخل «أوبك»، سعيًا لتوسيع قدرتها الإنتاجية.
ورغم احتواء الخلاف سريعًا، فإنه كشف حدود التنسيق حين تتعارض المصالح الاقتصادية المباشرة. ومع ذلك، يؤكد ألكسندر أن البلدين عادا لاحقًا إلى التعاون الوثيق لضبط الأسواق العالمية، ما يدل على أن منطق الشراكة لا يزال حاضرًا بقوة.
ويمتد التنافس إلى مشاريع التحول الاقتصادي. فكل من «رؤية السعودية 2030» و«الإمارات 2031» تهدفان إلى تنويع الاقتصاد والتحول إلى مراكز عالمية للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما يضع البلدين في سباق إقليمي محتدم على الاستثمارات والمواهب.
أما ملف إسرائيل، فيشكّل اختبارًا إضافيًا للعلاقة. فبينما تمسكت الإمارات باتفاق التطبيع الموقع عام 2020، أوقفت السعودية أي مسار مماثل عقب حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويرى مايكل ستيفنز من المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن أبوظبي تفضّل العودة إلى «وضع طبيعي هادئ» مع إسرائيل، في حين تشترط الرياض مسارًا واضحًا نحو حل الدولتين، وهو ما يرفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ورغم كل هذه التناقضات، يجمع خبراء على أن تحويل الخلافات إلى قطيعة شاملة لا يخدم مصالح الطرفين. فالتحديات الإقليمية—من إيران إلى عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط—تفرض على الرياض وأبوظبي حدًا أدنى من التنسيق.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى تستطيع هذه الشراكة الصمود إذا استمرت التباينات في الاتساع، وتحولت المنافسة الصامتة إلى صراع نفوذ علني؟.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73389