هزّت فيضانات مفاجئة مدينة آسفي الساحلية في المغرب، مخلفةً مأساة إنسانية واسعة النطاق أودت بحياة ما لا يقل عن 21 شخصاً، وفق ما أعلنته السلطات المحلية، بعدما اجتاحت أمطار غزيرة وغير متوقعة أحياء كاملة خلال فترة زمنية وجيزة، متسببةً في دمار كبير للمنازل والبنية التحتية وشبكات الطرق.
وأظهرت مقاطع مصورة وصور تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي سيولاً جارفة من المياه الموحلة وهي تكتسح شوارع المدينة، وتجرف السيارات المتوقفة وحاويات القمامة، وتغمر المحال التجارية والمنازل، خاصة في البلدة القديمة التاريخية التي تُعد من أكثر مناطق آسفي كثافة سكانية وهشاشة عمرانية.
وبحسب السلطات، فقد غمرت الفيضانات ما لا يقل عن 70 منزلاً ومتجراً في الأحياء القديمة، فيما أصيب 32 شخصاً بجروح متفاوتة نُقلوا على إثرها إلى المستشفى.
وأكدت المصادر الطبية أن معظم المصابين غادروا المراكز الصحية بعد تلقي الإسعافات اللازمة، في حين وُصفت حالات قليلة بأنها متوسطة الخطورة.
وقالت السلطات المحلية إن ساعة واحدة فقط من الأمطار الغزيرة كانت كافية لإحداث هذا الدمار الواسع، إذ لم تستطع شبكات تصريف المياه استيعاب الكميات الهائلة المتدفقة، ما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه بسرعة داخل الشوارع الضيقة والأحياء المنخفضة.
كما تسببت السيول في تضرر الطرق الرئيسية والفرعية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة المرور على الطرق المؤدية إلى المدينة الواقعة على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب العاصمة الرباط.
ووصف سكان محليون المشهد بالكارثي. وقال حمزة الشدواني، أحد سكان المدينة، لوكالة فرانس برس: “إنه يوم أسود… لم نشهد مثل هذا من قبل. المياه دخلت البيوت خلال دقائق، ولم نتمكن من إنقاذ أي شيء”.
من جهته، تساءل مروان تامر، وهو من سكان البلدة القديمة، عن تأخر التدخل الحكومي، قائلاً إن غياب شاحنات شفط المياه فاقم من حجم الخسائر وأطال أمد معاناة السكان.
ومع حلول المساء، بدأ منسوب المياه بالانخفاض تدريجياً، ما أتاح للمتضررين العودة إلى منازلهم الموحلة ومحاولة انتشال ما يمكن إنقاذه من ممتلكاتهم. وانتشرت مشاهد لأهالٍ يبحثون بين الركام والطين عن أثاث أو وثائق أو مواد غذائية، في ظل أوضاع إنسانية صعبة.
وفي الوقت نفسه، واصلت فرق الإنقاذ والوقاية المدنية عمليات التمشيط في الأحياء المتضررة بحثاً عن ضحايا محتملين آخرين، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى. وأكدت السلطات أن عمليات التقييم الأولي للأضرار لا تزال جارية، وأنه سيتم إعلان حصيلة محدثة فور توفر معطيات نهائية.
وعلى الصعيد المناخي، حذّرت المديرية العامة للأرصاد الجوية من احتمال هطول المزيد من الأمطار الغزيرة يوم الثلاثاء في عدد من مناطق البلاد، ما أثار مخاوف من تكرار سيناريو الفيضانات في مدن أخرى، خاصة تلك التي تعاني من هشاشة في البنية التحتية.
ورغم أن الفيضانات والأحوال الجوية القاسية ليست ظاهرة جديدة على المغرب، فإن شدتها وتواترها آخذان في الازدياد.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه البلد من جفاف حاد للعام السابع على التوالي، ما يعكس مفارقة مناخية حادة بين فترات الجفاف الطويلة ونوبات الأمطار العنيفة والمركزة.
وأعلنت المديرية العامة للأرصاد الجوية أن عام 2024 كان الأشد حرارة في تاريخ المغرب المسجل، مع تسجيل معدلات حرارة قياسية وتراجع كميات الأمطار بنحو 25% عن المعدل السنوي.
ويشير خبراء المناخ إلى أن تغير المناخ لعب دوراً أساسياً في اختلال أنماط الطقس، إذ يؤدي ارتفاع حرارة الغلاف الجوي إلى زيادة قدرته على حمل الرطوبة، بينما تساهم البحار الأكثر دفئاً في تغذية العواصف وجعلها أكثر عنفاً.
وتعيد مأساة آسفي إلى الواجهة أسئلة ملحّة حول جاهزية المدن المغربية لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة، وحول فعالية سياسات التكيف مع التغير المناخي، في وقت باتت فيه مثل هذه الكوارث تهديداً متكرراً لحياة المواطنين واستقرارهم.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73332