في السنوات الأخيرة، تحولت صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى لاعب محوري في مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي. فالمشروعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتطلب استثمارات ضخمة تُقدّر بمليارات الدولارات، سواء في بناء مراكز البيانات أو في تصنيع الرقائق الإلكترونية، وهو ما يجعل مشاركة رأس المال الخليجي شرطًا أساسيًا لتسريع عجلة هذه الصناعة.
وبحسب وكالة بلومبيرغ، فإن صناديق الثروة في الكويت وقطر والسعودية والإمارات، التي تدير مجتمعة أكثر من 4 تريليونات دولار، باتت ترى في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد استثمار ربحي، بل وسيلة للنفوذ الاستراتيجي في الاقتصاد العالمي المقبل.
“النفط الجديد”
تقول سارة مارتينز غوميز، مديرة الذكاء الاصطناعي والبيانات في “ديلويت” الشرق الأوسط، إن الذكاء الاصطناعي يمثل “النفط الجديد”، موضحة: “من جهة، تحقق عوائد مالية من الاستثمار في البنية التحتية والمنصات، ومن جهة أخرى تكتسب نفوذًا عالميًا في المستقبل”. ويجعل هذا البعد المزدوج للاستثمار من دخول الخليج إلى قطاع الذكاء الاصطناعي عاملًا لا يمكن تجاهله بالنسبة لوول ستريت ووادي السيليكون.
السعودية: “هيومان” في قلب رؤية 2030
أحدث مؤشر على اندفاع المنطقة في هذا الاتجاه جاء من الرياض الأسبوع الماضي، حيث تتنافس شركتا الاستثمار الأميركيتان “بلاكستون” و”بلاك روك” على استثمار مليارات الدولارات في شركة الذكاء الاصطناعي السعودية الجديدة “هيومان”.
ورغم الضغوط التي تواجهها خطة رؤية 2030 بسبب تراجع أسعار الطاقة وضعف تدفق الاستثمار الأجنبي، يواصل المسؤولون السعوديون دعم “هيومان” باعتبارها منصة قادرة على جعل المملكة مركزًا إقليميًا لتقنيات الحوسبة الفائقة والذكاء الاصطناعي.
قطر: استثمار كبير في “أنثروبيك”
من جانبها، عززت قطر حضورها في هذا القطاع عبر جهاز قطر للاستثمار الذي شارك هذا الشهر في جولة تمويلية ضخمة لشركة “أنثروبيك” الأميركية، بلغت قيمتها 13 مليار دولار، وقيّمت الشركة عند 183 مليار دولار.
وقال محمد الحردان، رئيس قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات في الجهاز الذي يدير أصولًا بقيمة 524 مليار دولار، إن هذه الصفقة “واحدة من العديد من الصفقات القادمة”، متوقعًا أن يبرم الصندوق ما يصل إلى 25 صفقة تقنية هذا العام والعام المقبل، ما يعزز موقع قطر كأحد أكبر المستثمرين العالميين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
أبوظبي: صعود “MGX” والتحديات الراهنة
في أبوظبي، تتبلور طموحات الذكاء الاصطناعي من خلال شركة MGX، التي أُنشئت العام الماضي بهدف إدارة أصول تتجاوز 100 مليار دولار. الشركة شاركت مؤخرًا مع “سيلفر ليك” في الاستحواذ على 51% من وحدة تابعة لـ”إنتل” متخصصة في الرقائق القابلة للبرمجة، في صفقة تؤكد توجهها نحو الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ورغم هذا الزخم، تواجه أبوظبي عقبات حقيقية، أبرزها الحاجة إلى جذب أموال من أطراف ثالثة لتسريع الاستثمارات، إضافة إلى الضغوط السياسية الناجمة عن المخاوف الأميركية من أن تؤدي الشراكات مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تهديد الأمن القومي الأميركي.
تحديات أمام الاندفاعة الخليجية
رغم كثافة الأموال المتدفقة، لا يخلو الطريق من التحديات. فالإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب وقعت سلسلة من الاتفاقيات لتعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن أصواتًا نافذة داخل واشنطن حذرت من أن تعميق الشراكات الخليجية قد يفتح الباب أمام نفوذ صيني متزايد، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا استراتيجيًا.
هذه المخاوف قد تُبطئ بعض المشاريع، لكنها لم توقف بعد الاندفاعة الخليجية نحو الاستثمار في التقنيات الأحدث.
وبحسب غوميز من “ديلويت”، فإن دخول رأس المال الخليجي إلى الذكاء الاصطناعي يمثل “مكسبًا للطرفين”: فالمنطقة بحاجة إلى انكشاف عالمي يدعم طموحاتها التنموية، بينما تستفيد الشركات الأميركية والأوروبية من الأموال الضخمة التي توفرها هذه الصناديق، ومن ميزة الطاقة الرخيصة المتاحة في الخليج، وهي عنصر أساسي لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72792