أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب الدائرة بين موسكو وكييف منذ أكثر من ثلاث سنوات، مؤكداً أهمية الدور السعودي في تهيئة الأرضية لحوار سياسي بين الأطراف المتصارعة.
جاء ذلك خلال مكالمة هاتفية أجراها بوتين مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث أطلعه على نتائج لقائه الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولاية ألاسكا، وهو اللقاء الأول بين رئيسي الولايات المتحدة وروسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
شكر وتقدير سعودي – روسي
وفقاً لما أوردته وكالة الأنباء السعودية، عبّر بوتين عن شكره للمملكة على استضافتها جولة مهمة من المحادثات بين مفاوضين أمريكيين وروس في مارس/آذار الماضي بالرياض، والتي مثّلت نقطة تحوّل في مسار الجهود الدولية لإيجاد تسوية سياسية. وأكد الرئيس الروسي أن جهود ولي العهد السعودي ساعدت على تقريب وجهات النظر وفتح قنوات تواصل جديدة بين الأطراف.
من جانبه، جدّد الأمير محمد بن سلمان تأكيد دعم المملكة لنهج الحوار والدبلوماسية كسبيل أساسي لحل النزاعات الدولية، مشدداً على أن الرياض ستواصل العمل مع جميع الأطراف المعنية لتخفيف حدة الأزمة وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
محادثات متواصلة رغم التعقيدات
ورغم أن لقاء ألاسكا بين ترامب وبوتين لم يسفر عن اتفاق نهائي، إلا أنه مهّد لمواصلة عملية السلام. فقد التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالرئيس الأمريكي في البيت الأبيض بحضور قادة أوروبيين، حيث بحثوا إمكانية عقد اجتماع مباشر بينه وبين بوتين كبداية لأي مسار تفاوضي شامل.
غير أن الشكوك ما تزال قائمة بشأن استعداد موسكو للجلوس على طاولة حوار مباشر مع كييف. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن العقبة الكبرى تكمن في قضية الأراضي التي تحتلها روسيا، والتي تشكل نحو 20% من مساحة أوكرانيا ويقطنها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة.
جهود سعودية سابقة
قبل محادثات الرياض، كان الرئيس الأوكراني زيلينسكي قد التقى ولي العهد السعودي في جدة، حيث ناقشا سبل دفع الجهود الدولية نحو إنهاء الحرب. وأعرب زيلينسكي آنذاك عن امتنانه للمملكة، مثمّناً الدور الفاعل الذي تلعبه في تقريب وجهات النظر بين موسكو وكييف، ومؤكداً أن هذا الدور منح مسار التفاوض زخماً جديداً.
وقد ركزت محادثات الرياض على عدة قضايا حساسة، أبرزها إمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في البحر الأسود، إلى جانب مناقشة سبل إيصال المساعدات الإنسانية وتبادل الأسرى. واعتبرت واشنطن تلك المحادثات خطوة أساسية ضمن استراتيجية الرئيس ترامب لإنهاء الحرب عبر التفاوض المباشر.
صعوبة الوصول إلى هدنة شاملة
رغم محاولات الدفع نحو اتفاق شامل، لم يتمكن الوسطاء من تثبيت وقف إطلاق نار واسع النطاق. وكانت موسكو وكييف قد وافقتا بشكل مبدئي في وقت سابق من العام الجاري على هدنة محدودة مدتها 30 يوماً، لكنها لم تصمد بسبب استمرار الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، مما جعلها أقل بكثير من مستوى الهدنة الشاملة التي كانت واشنطن وكييف تسعيان إليها.
ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد الميداني يعكس حجم التعقيدات أمام أي اتفاق مستدام، خاصة في ظل إصرار موسكو على ضمانات أمنية تتعلق بحدودها ومطالب كييف باستعادة أراضيها المحتلة.
السعودية كوسيط محايد
تبرز المملكة العربية السعودية كإحدى الدول القليلة التي تحافظ على علاقات متوازنة مع كل من موسكو وكييف وواشنطن في آن واحد، وهو ما يمنحها فرصة للعب دور الوسيط المحايد. ويقول محللون إن الرياض باتت تسعى إلى ترسيخ مكانتها الدولية عبر الانخراط في ملفات السلام المعقدة، بما يعزز صورتها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في القضايا العالمية.
كما يشير آخرون إلى أن الجهود السعودية تأتي في إطار سياسة خارجية أوسع تهدف إلى توسيع دورها الدبلوماسي بما يتجاوز محيطها الإقليمي، خاصة بعد مشاركتها في استضافة مفاوضات حول الأزمة السودانية، ومساعيها للوساطة في ملفات أخرى مثل اليمن.
ومع استمرار الاتصالات الدبلوماسية وتعدد الوسطاء، يبقى نجاح المساعي رهناً بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات صعبة. فبينما تؤكد واشنطن ضرورة عقد اجتماع مباشر بين بوتين وزيلينسكي، يرى مراقبون أن أي اتفاق سلام لن يكون قابلاً للحياة ما لم يشمل معالجة ملف الأراضي المحتلة وضمانات أمنية طويلة المدى.
ورغم التحديات، يظل إشادة بوتين بالدور السعودي مؤشراً على أن الرياض باتت لاعباً معترفاً به في معادلة الصراع، وأنها قد تكون جسراً لا غنى عنه في أي تسوية مقبلة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72422