العراق – لبنان: تعاون أمني يقود إلى تفكيك أكبر مصانع الكبتاغون في الشرق الأوسط

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن تفكيك أحد أكبر مصانع الكبتاغون في الشرق الأوسط، وذلك بفضل تعاون أمني واستخباراتي متقدم بين بغداد وبيروت، في خطوة وُصفت بأنها “الضربة الأقوى” ضد شبكات المخدرات في المنطقة.

وتعود القضية إلى منتصف يوليو/تموز، حين أعلن الجيش اللبناني عن مداهمة معمل ضخم لإنتاج الكبتاغون في منطقة اليمونة، الواقعة على بعد 25 كيلومترًا من مدينة بعلبك شرقي لبنان.
وكشف الجيش اللبناني حينها عن وجود نفق يبلغ طوله 300 متر، كان يُستخدم لتخزين ونقل المواد المخدرة، ووصف المعمل بأنه “من أكبر المختبرات” التي جرى ضبطها. كما صادر نحو 10 أطنان من المعدات والآلات، إضافة إلى كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون ومواد مخدرة أخرى بينها الكريستال ميثامفيتامين.
ونشرت القوات اللبنانية لقطات مصورة تُظهر الجرافات وهي تردم النفق، وحرق جزء من المواد المضبوطة. لكن بيروت لم تكشف حينها عن وجود تعاون أمني مع العراق.
وأوضحت وزارة الداخلية العراقية أن مديرية مكافحة المخدرات العراقية قدمت معلومات استخباراتية “بالغة الدقة” إلى نظيرتها اللبنانية، وهو ما ساعد في الوصول إلى المصنع ومداهمته.
الكبتاغون: تجارة عابرة للحدود
الكبتاغون – الذي يُعرف شعبيًا بـ”كوكايين الفقراء” – يعد من أكثر المخدرات انتشارًا في الشرق الأوسط، خاصة بين فئة الشباب. وهو مركب من الأمفيتامينات التي تمنح متعاطيها نشاطًا وهميًا وسلوكًا متهورًا.
وتشير تقارير دولية إلى أن سوريا كانت المصدر الرئيسي لإنتاج الكبتاغون منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، حيث مثّل الإنتاج السوري نحو 80% من السوق العالمية، بحسب معهد “نيو لاينز” للأبحاث في واشنطن.
ويُقدّر حجم السوق العالمي لهذه الحبوب بما يتجاوز 10 مليارات دولار سنويًا، فيما تشير تقديرات عام 2021 إلى أن نظام بشار الأسد حقق أرباحًا بنحو 5 مليارات دولار من تجارة المخدرات، في وقت كان يخضع لعقوبات اقتصادية خانقة.
العراق في مواجهة الشبكات الإقليمية
تزايدت المخاوف في العراق خلال الأعوام الماضية من تحول البلاد إلى ممر رئيسي لتجارة الكبتاغون، مع تصاعد معدلات الضبط على الحدود مع سوريا.
في فبراير/شباط 2025، أعلنت بغداد عن أكبر عملية من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، حيث ضبطت قوات الأمن العراقية 1.1 طن من الكبتاغون داخل شاحنة دخلت من سوريا عبر تركيا.
وفي يوليو الماضي، ضبطت قوات مكافحة المخدرات العراقية أكثر من 1.35 مليون حبة كبتاغون في دمشق، في عملية وُصفت بأنها “نادرة ومهمة” لتعقب الشبكات داخل الأراضي السورية نفسها.
وقال العميد مقداد مرعي، المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، إن هذه العمليات تتم عبر تبادل معلومات مع أجهزة أمنية في المنطقة، بما في ذلك وكالة مكافحة المخدرات السعودية، مؤكدًا أن “التعاون الإقليمي هو السبيل الأنجع لقطع أوصال شبكات المخدرات”.
أهمية التعاون العراقي – اللبناني
العملية الأخيرة تكشف عن توسع دائرة التعاون الأمني للعراق لتشمل لبنان، الدولة التي لطالما ارتبطت بعض مناطقها – خاصة البقاع – بزراعة وتصنيع المخدرات.
ويقول مراقبون إن مساهمة العراق في كشف مصنع الكبتاغون اللبناني تؤسس لشبكة تعاون أوسع بين بغداد وبيروت في المستقبل، بما يتيح تضييق الخناق على شبكات التهريب العابرة للحدود.
ويرى خبراء أن هذا التعاون يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى أن تجارة الكبتاغون باتت تهدد الأمن القومي العراقي، ليس فقط من خلال مرور الشحنات عبر أراضيه، بل أيضًا عبر تفاقم ظاهرة الإدمان بين الشباب داخل العراق.
ومع تفكيك معمل الكبتاغون في اليمونة اللبنانية، يُسجل التعاون العراقي – اللبناني إنجازًا نوعيًا في الحرب على المخدرات، التي تُعد واحدة من أخطر القضايا الأمنية والاجتماعية في المنطقة.
لكن رغم هذه النجاحات، يبقى التحدي الأكبر هو استدامة التعاون الإقليمي، في ظل اتساع رقعة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، واستغلالها الأوضاع غير المستقرة في دول مثل سوريا ولبنان.
وبينما تحتفل بغداد وبيروت بـ”الضربة الأقوى” لشبكات الكبتاغون حتى الآن، فإن الحرب ضد هذا “الوباء الأبيض” لا تزال طويلة ومعقدة، وتحتاج إلى جبهة موحدة إقليمية لحماية شعوب المنطقة من واحدة من أخطر تجارات القرن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.