في تطور خطير يُنذر بتكريس النفوذ الإسرائيلي في الضفة الغربية بأدوات غير تقليدية، كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل اتفاق مالي تم توقيعه مؤخراً بين السلطة الفلسطينية والإمارات، اعتبره مراقبون “مفتاحاً رقمياً” يمنح تل أبيب وأبوظبي صلاحيات رقابية كاملة على نظام المال الفلسطيني، ويفتح الطريق أمام عزل شامل لغزة وتحجيم أي تمويل بديل غير خاضع للهيمنة الإسرائيلية–الإماراتية.
اتفاق بواجهة مالية.. ومضمون أمني
الاتفاق، الذي تم التوقيع عليه وسط ترويج رسمي بأنه خطوة “لتنظيم التحويلات وتعزيز الشفافية”، يحمل في طياته تحوّلات خطيرة في الهيكل المالي والسياسي الفلسطيني. إذ تُظهر الوثائق أن السلطة الفلسطينية تستعد للعمل وفق لوائح رقابية تُصاغ في ما يُعرف بـ”الغرف الخلفية اللبنانية–الإسرائيلية”، وتُدار بدعم إماراتي مباشر، ما يُعد رضوخًا غير معلن لمعادلات الاحتلال.
ورغم تصاعد حرارة الحرب في غزة، تمضي رام الله في تنفيذ آليات هذا الاتفاق الذي يُحوّل جهاز التحويلات المالية إلى منصة رقمية تشرف عليها أنظمة رقابية مشتركة بين أبوظبي وتل أبيب، وتمنح الطرفين القدرة على تتبع وتحليل ومعاقبة أي عملية تمويل تمر عبر القطاع المصرفي الفلسطيني.
التمويل كأداة خنق ومراقبة
الأخطر في الاتفاق، بحسب تقارير مسربة، أنه ينص فعليًا على تصنيف أي تمويل لا يمر عبر هذه القنوات الرسمية على أنه “تمويل مشبوه” أو ذو صلة بـ”أنشطة إرهابية”، حتى وإن كانت المبالغ موجهة كمساعدات إنسانية من دول عربية أخرى كالسعودية وقطر.
هذه الخطوة تُترجم عمليًا كإقصاء لأي دور تمويلي عربي خارج النفوذ الإماراتي، وتُعزز محاولات محمد بن زايد ترسيخ موقعه كلاعب عربي “وحيد” في الملف الفلسطيني، وهو ما يعتبره مراقبون تمهيداً لنقل كامل للمبادرة إلى الاحتلال دون عراقيل أو منافسين إقليميين.
“نظام أمني–مالي” مشترك
ما جرى خلف الكواليس بعد توقيع الاتفاق يكشف عن نوايا أعمق. فقد بدأ جهاز أمن الدولة الإماراتي بإجراء محادثات سرية مع أطراف إقليمية لربط الاتفاق المالي الجديد بشبكات الحوالات الخليجية، بما فيها الأنظمة المالية غير المصرفية مثل شركات تحويل الأموال في السعودية والكويت والبحرين.
كما بدأ تمويل “نموذج تجريبي” لمحطة ذكية لتحويل الأموال تُبنى في رام الله، تعمل بأنظمة رقمية تُمكّن الجهات الإماراتية من تتبع كل عملية مالية، وترسل بياناتها إلى خوادم مشتركة تحت إشراف وحدة البيانات NER – وهي منصة استخباراتية مرتبطة بمشاريع أبوظبي الأمنية.
أما تل أبيب، فتبنت هذا النظام الرقابي الإماراتي–الإسرائيلي كمعيار جديد لأي شراكة أو تمويل مستقبلية تتعلق بالفلسطينيين. بمعنى آخر، أي مساعدات أو تحويلات لن تمر في المستقبل إلا عبر هذه المنصة، وتحت رقابة صارمة، بما يمنع حتى الجمعيات الإغاثية المحلية من تلقي دعم خارج الخط الرسمي.
نحو “الضفة الذكية”.. ولكن تحت الاحتلال
وفق تقارير تقنية، فإن الاتفاق الجديد يُمهّد لمرحلة استخدام “البطاقة التمويلية الذكية” كأداة إدارة اقتصادية في الضفة، شبيهة بما يُستخدم في دول الخليج، لكن مع توظيف أمني واضح. هذه البطاقة، بحسب مصادر مطلعة، ستكون الأداة الأساسية لصرف الرواتب والدعم الغذائي والخدمات الاجتماعية، لكن ضمن شبكة تتبع بيانات مركزية تتحكم فيها أبوظبي بالتعاون مع الاحتلال.
ويحذر خبراء من أن هذه المنظومة الجديدة ستُستخدم مستقبلاً “كعصا رقمية” لمعاقبة المعارضين، وتقييد تحركات الأموال في الداخل الفلسطيني، بل وربما تتبع النشاط السياسي والاجتماعي للمواطنين عبر بيانات الاستهلاك والتحويلات، بما يمنح إسرائيل أداة سيطرة غير مسبوقة دون أن تطلق رصاصة واحدة.
خنق غزة وتحييد المقاومة
على المستوى السياسي، يرى مراقبون أن الاتفاق جزء من استراتيجية إسرائيلية–إماراتية أوسع لعزل غزة، ومنع أي تمويل للمقاومة أو حتى للمؤسسات الأهلية العاملة في الإغاثة. إذ من المرجح أن يُستخدم هذا النظام لتجريم تحويل الأموال إلى أي جهة في غزة، واعتبار كل دعم يمر عبر قنوات غير معترف بها دعمًا للإرهاب.
ويأتي هذا في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال ارتكاب المجازر في القطاع، مع تواطؤ صامت من بعض الدول العربية، وخصوصاً الإمارات التي لم تصدر أي موقف سياسي يندد بالعدوان منذ أشهر، بل تضاعف تنسيقها الاقتصادي والأمني مع حكومة نتنياهو المتطرفة.
والاتفاق المالي بين الإمارات والسلطة الفلسطينية ليس مجرد إطار تنظيمي لتحويل الأموال، بل يشكل نقلة نوعية نحو إخضاع الاقتصاد الفلسطيني لنظام رقابي مزدوج يخدم أولاً مصالح الاحتلال، وثانيًا مشاريع النفوذ الإماراتي في المنطقة.
وفي ظل غياب المساءلة الشعبية، وتراجع الدور العربي الداعم للقضية، يبدو أن “المال” قد تحول إلى أداة لتسليم فلسطين، معزولة ومحاصرة، إلى يد الاحتلال… وبغطاء عربي رسمي.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72215