بينما تستعد مجموعة البريكس لعقد قمتها السنوية في ريو دي جانيرو هذا الأسبوع، يهيمن شبح الانقسام على المشهد، بعد أن فضحت حرب إسرائيل على غزة التناقضات العميقة بين أعضاء التكتل الذي طالما روّج لنفسه كصوت الجنوب العالمي في مواجهة الهيمنة الغربية.
ويقول محللون إن إحجام المجموعة عن اتخاذ موقف موحد وقوي إزاء الهجوم الإسرائيلي على غزة، بل وحتى الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، العضو الجديد في البريكس، كشف حدود قدرتها على لعب دور جيوسياسي مؤثر، وأظهر أن مصالح أعضائها كثيرًا ما تتضارب إلى حد يفرغ المنظمة من مضمونها السياسي.
غياب الزعماء الكبار
تلقي الغيابات البارزة هذا العام بظلالها على قمة البريكس. فقد قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم الحضور شخصيًا لتفادي مأزق دبلوماسي مع البرازيل، العضو في المحكمة الجنائية الدولية، التي تلتزم قانونيًا باعتقاله بموجب مذكرة توقيف دولية.
أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، فقد اختار إرسال رئيس وزرائه بدلاً منه، وسط توترات مع الهند ومخاوف من أن تخطف زيارة رسمية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الأضواء عن حضور القمة.
وقال سومديب سين، الباحث بجامعة بريتوريا، لموقع ميدل إيست آي: “إذا كان هدف البريكس هو خلق مركز بديل للقوة السياسية والاقتصادية، فإن غزة كشفت عن انقسام عميق داخل المنظمة.”
الهند أقرب إلى إسرائيل
تتجلى حدة الانقسام في مواقف الدول الأعضاء من حرب إسرائيل على غزة.
ففي حين قادت جنوب إفريقيا حملة قانونية في محكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في القطاع، برزت الهند كأحد أبرز الداعمين لتل أبيب، إذ زودت إسرائيل بأسلحة وطائرات مسيرة قتالية، بل وأرسلت عمالًا لتعويض النقص الذي خلّفه غياب العمال الفلسطينيين.
ويقول المحللون إن موقف الهند يعكس توجهها في عهد مودي نحو التقارب مع الولايات المتحدة والغرب، ما يجعلها ترى البريكس إطارًا اقتصاديًا أكثر منه تحالفًا سياسيًا مناهضًا للغرب.
وقالت فرحة عامر، مديرة مبادرات جنوب آسيا في معهد سياسات جمعية آسيا بواشنطن: “غياب شي جين بينغ وبوتين عن القمة أضاع فرصة مهمة لبكين ونيودلهي للتحدث وجهًا لوجه وحسم خلافاتهما.”
مصالح اقتصادية تتفوق على المبادئ
في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات عالميًا للمطالبة بفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، كشف باتريك بوند، من جامعة جوهانسبرغ، أن جميع دول البريكس، باستثناء إيران، تستفيد اقتصاديًا من التجارة مع إسرائيل أو المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي.
وقال بوند: “الشركات البرازيلية والروسية والجنوب إفريقية ما زالت تصدر الطاقة إلى إسرائيل، بينما تستمر شركات صينية وهندية في تشغيل الموانئ الإسرائيلية التي تصل إليها الأسلحة والمواد الاستراتيجية.”
وأضاف أن شركة DJI الصينية لا تزال تبيع طائرات مسيرة للجيش الإسرائيلي رغم الدعوات العالمية لمقاطعة إسرائيل.
خلافات تعرقل التكتل
يرى الخبراء أن الانقسامات الداخلية بين دول البريكس تجعل من الصعب بلورة موقف موحد تجاه الأزمات الدولية. فحتى عند إصدار بيانات مشتركة تدعو لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين في غزة، تبقى تلك التصريحات غير ملزمة للدول الأعضاء، ما يفقدها أي تأثير فعلي.
وقال بريال سينغ، الباحث في معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا: “أعتقد أن القمة ستركز على إبقاء الأمور تسير بهدوء، دون الدخول في قضايا جيوسياسية كبرى. الانقسامات العميقة تجعل من المستحيل تقريبًا التوصل إلى موقف موحد.”
ورغم تلك التحديات، لا يرى سينغ أن مستقبل البريكس إلى زوال. وأكد أن المجموعة لا تزال تحتفظ بأهمية رمزية كبيرة كمنصة للتعاون بين بلدان الجنوب العالمي، حتى لو لم تتمكن من صياغة بديل حقيقي للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وقال سينغ: “فائدتها، على المستوى الرمزي على الأقل، لا يمكن التقليل من شأنها. إنها عنصر مهم في التزامات السياسة الخارجية لأعضائها، خصوصًا في سياق التعاون بين دول الجنوب والأممية التقدمية.”
لكن مع تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط وتضارب مصالح أعضائها، يبدو أن الطريق أمام البريكس لتكون قطبًا عالميًا مستقلًا لا يزال طويلًا وشاقًا.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71861