حظيت دولة قطر بتقدير دولي جديد لدورها البارز في الوساطة وحل النزاعات، بعد أن تسلّم رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، جائزة تيبراري الدولية للسلام، خلال حفل أُقيم في أيرلندا. وتعد هذه الجائزة واحدة من أرفع الجوائز العالمية في مجال السلام، إذ تُمنح سنوياً منذ عام 1984 لتكريم شخصيات أسهمت بشكل استثنائي في تحقيق السلام والاستقرار حول العالم.
وقد انضم الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بهذه الجائزة المرموقة، إلى قائمة شخصيات دولية بارزة سبق أن نالت هذا التكريم، من بينها الأمينان العامان السابقان للأمم المتحدة بان كي مون وكوفي عنان، والرئيسة الأيرلندية السابقة ماري روبنسون، والزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ورئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
وجاء منح الجائزة تكريماً لمسيرة الشيخ محمد الحافلة منذ توليه منصب وزير الخارجية عام 2016، حيث قاد جهود الدبلوماسية القطرية في عدة ملفات ساخنة، ما جعل الدوحة لاعباً محورياً في الوساطات الدولية. فقد أظهرت قطر قدرة لافتة على التواصل مع أطراف متباينة، حتى في أكثر النزاعات تعقيداً، ونجحت في لعب دور الوسيط المقبول دولياً، بما عزز موقعها كدولة ذات تأثير يتجاوز حجمها الجغرافي.
ومن بين النجاحات المبكرة للشيخ محمد إشرافه على مفاوضات أفضت عام 2016 إلى إطلاق سراح سجناء جيبوتيين كانوا محتجزين في إريتريا، إضافة إلى استضافة الدوحة عام 2017 محادثات أفضت إلى اتفاق سلام بين أطراف النزاع في السودان. إلا أن أبرز محطاته الدبلوماسية تمثلت في إشرافه على اتفاق الدوحة التاريخي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان عام 2020، الذي مهّد الطريق لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في 2021، منهياً بذلك أطول الحروب التي خاضتها واشنطن في تاريخها الحديث.
ولم يقتصر دور قطر على النزاعات في الشرق الأوسط. ففي عام 2021، ساعدت الدوحة في تحقيق اختراق دبلوماسي بين كينيا والصومال، بعد توتر طويل على خلفية النزاعات الحدودية والسياسية. كما استضافت قطر محادثات أدت في العام التالي إلى توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الانتقالية في تشاد وعدة جماعات معارضة، ما ساهم في تهدئة الأوضاع الداخلية في ذلك البلد الإفريقي.
وفي أغسطس 2024، لعبت قطر دوراً محورياً في إتمام صفقة تبادل أسرى رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران، تضمنت الإفراج عن محتجزين لدى الجانبين وفك تجميد ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية، في خطوة اعتبرتها واشنطن مؤشراً على إمكانية التقدم نحو تهدئة أوسع في ملف البرنامج النووي الإيراني.
غير أنّ الحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 مثّلت واحدة من أعقد ملفات الوساطة التي قادها الشيخ محمد. فقد تحركت قطر سريعاً لإجراء اتصالات مع مختلف الأطراف، وأسفرت جهودها عن التوصل في نوفمبر إلى هدنة إنسانية مؤقتة، أُفرج بموجبها عن أكثر من 100 رهينة، بينهم نحو 80 إسرائيلياً، إضافة إلى إطلاق سراح 240 أسيراً فلسطينياً من السجون الإسرائيلية.
وتوّجت الوساطة القطرية في يناير 2025 بالإعلان عن اتفاق أوسع لوقف إطلاق النار، تضمّن انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المكتظة بالسكان في غزة، ووضع إطار لتبادل الأسرى، وإعادة النازحين، وزيادة المساعدات الإنسانية. إلا أن هذا الاتفاق واجه عراقيل لاحقة أدت إلى انهيار الهدنة في مارس، بينما تواصل قطر جهودها لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
على الصعيد الدولي، نشط الشيخ محمد كذلك في الملف الأوكراني، حيث قام بزيارة إلى روسيا وسط الحرب الأوكرانية، وساهم في مبادرات هدفت إلى لمّ شمل الأطفال الأوكرانيين الذين نزحوا أو فُصلوا عن عائلاتهم. كما لا تزال قطر حاضرة في محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني، ومساعي تهدئة التوترات في الخليج.
تكريم الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بجائزة تيبراري للسلام يعكس اعتراف المجتمع الدولي بالدور القطري المؤثر في إطفاء حرائق النزاعات. ويعزز هذا التقدير صورة قطر كدولة قادرة على لعب أدوار سياسية أكبر من حجمها، معتمدة على دبلوماسية نشطة واتصالات متوازنة مع مختلف الأطراف، في عالم باتت فيه الحاجة إلى الوسطاء المحايدين أشد من أي وقت مضى.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71819