ناقشت صحيفة فايننشال تايمز كيف يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يكون العالم، وخلصت إلى أنه يريد عالما يعترف بقوته ويخضع لمطالبه ويعزز من نفوذه وقوته الشخصية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في وسط أسبوع صاخب من السياسة الخارجية الأميركية، تداخلت فيه ضربات جوية أميركية على المنشآت النووية الإيرانية مع التحضير لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي، وصل ترمب إلى هولندا محمّلاً بإرثه المعتاد من التصريحات المتقلبة والخطابات النارية التي تزيد من قلق حلفاء واشنطن عبر الأطلسي.
كانت العواصم الأوروبية، قبيل القمة، تعيش حالة من القلق الملموس خشية أن يُطيح ترمب بأي توافق داخل الحلف، خاصة بعد مغادرته الدرامية لقمة مجموعة السبع في كندا ليعود إلى واشنطن ويأمر بغارات على إيران، وينفذها في غضون خمسة أيام، قبل أن يتوسط سريعاً لوقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب. تلك التحركات السريعة المتضاربة جعلت من الصعب على الحلفاء والمستثمرين والمسؤولين على حد سواء استيعاب حقيقة ما يريده ترامب بالفعل للعالم.
في طريقه إلى لاهاي، انفجر ترامب غاضباً في وجه الصحفيين، معبّراً عن إحباطه من تعقيد المفاوضات بين إسرائيل وإيران، قائلاً: «لدينا دولتان تتقاتلان منذ زمن طويل وبشدة، لدرجة أنهما لا تعرفان ماذا تفعلان بحق الجحيم». ومع ذلك، حاول ترامب طمأنة حلفائه لاحقاً، مؤكداً خلال مؤتمره الصحفي الختامي في لاهاي: «نحن هنا لمساعدتهم على حماية بلدانهم، ولسنا أمام عملية نصب واحتيال».
أحد أبرز إنجازات ترمب في القمة تمثل في انتزاعه تعهدات من معظم أعضاء الناتو بزيادة كبيرة في إنفاقهم الدفاعي، وهو المطلب الذي لاحقهم به منذ بداية ولايته الأولى. هذا الانتصار لم يكن ليتحقق لولا مديح مارك روته، رئيس الوزراء الهولندي السابق والرئيس الجديد للناتو، الذي كال الثناء لترامب على العملية العسكرية ضد إيران، بل وصفه بـ«الأب» خلال اجتماعهما الثنائي.
لكن خلف ستار المجاملات، برز قلق عميق من أن قمة لاهاي كانت مرة أخرى مسرحاً لاستعراض شخصية الرئيس الأميركي المتقلبة، أكثر من كونها مناسبة لتحديد استراتيجية غربية واضحة. إذ بدأ ترامب القمة بإعلانه أن ميثاق الدفاع المشترك للناتو «قابل للتفسير»، ما أشاع الذعر في بعض الوفود، رغم تراجعه لاحقاً عن أي تصريحات قد تقوّض التحالف.
يقول جوليان زيليزر، أستاذ التاريخ السياسي في جامعة برينستون: «لا يبدو أن لدى ترامب أجندة أيديولوجية محددة سوى المصلحة الذاتية. عندما يرى فرصة تعزز شخصه وقوته، ينتهزها فوراً».
هذا النمط من السلوك يجعل العواصم الأجنبية أمام معضلة: هل تكون مقاومتها لترمب أداة لحماية مصالحها، رغم مخاطر المواجهة، أم أن الخضوع له ربما يكون الرهان الأكثر أماناً؟ لكن الجميع يدرك أن عليهم عاجلاً أو آجلاً التعامل مع نزوات الرئيس ومطالبه، والتي قد تصلهم أحياناً عبر تغريدة غير متوقعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
راي تاكيه، المستشار السابق في وزارة الخارجية لشؤون إيران، يرى أن «جوهر سياسة ترمب الخارجية هو عدم القدرة على التنبؤ. لا يهم إذا كان محاطاً بأشخاص أمميين أو مقيدين أو انعزاليين؛ ترامب سيفعل ما يريد، وعلى الآخرين التكيف».
وقد بدت هذه النزعة جلية مع قرار ترامب بشن غارات على المنشآت النووية الإيرانية نهاية الأسبوع الماضي، والتي تردد صداها في قمة لاهاي. ورغم ترتيب هدنة هشة بين إسرائيل وإيران عشية القمة، ظلت أجواء القلق تخيم على الوفود، خاصة مع تقارير استخباراتية تفيد بأن الضربات أخرت البرنامج النووي الإيراني بضعة أشهر فقط، وليس سنوات كما ادعى ترامب الذي أصر على أن «المنشآت أُبيدت» وهاجم وسائل الإعلام الأميركية التي نشرت التقارير.
يرى جويل ليناينماكي، الباحث في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، أن قمة لاهاي كانت بالنسبة لترامب تدور حول أمرين: «انتصار في موضوع الإنفاق الدفاعي، وصراع مفتوح مع الإعلام الأميركي حول حقيقة الوضع النووي الإيراني». ويضيف: «همّه الأساسي هو كيف تبدو الأمور لقاعدته في الداخل».
وفي خضم الجدل، بدا أن هناك تحوّلاً جديداً في سياسة ترمب تجاه إيران. فرغم تهديده بتغيير النظام في طهران، أعلنت واشنطن استعدادها لاستئناف المفاوضات النووية في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، مع احتمالية تخفيف العقوبات. وهو ما أثار قلق بعض الجمهوريين مثل السيناتور ليندسي غراهام الذي قال: «لا أريد أن يعتقد الناس أن المشكلة انتهت، لأنها لم تنته».
لكن في المقابل، تقول هيذر ناورت، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية، إن سياسة ترامب قد تؤدي فعلاً إلى إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتخلي عن طموحاتها النووية. إلا أن منتقدي ترامب يرون أن كل شيء في البيت الأبيض يبدو عشوائياً، كما يقول جيم تاونسند، نائب مساعد وزير الدفاع السابق: «يبدو أن الإدارة تضع سياسات لحظية وفق ما تقتضيه الظروف، ولا يعلم كبار المسؤولين ما إذا كان ما يقولونه أو يفعلونه سيقوّضه ترمب بتغريدة مفاجئة».
كما لم تكن قمة الناتو على وشك النجاح بسهولة. فقد تسبب رفض إسبانيا الالتزام بهدف تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي في تهديد اتفاق القمة، ليرد ترامب غاضباً: «إسبانيا لا توافق، وهذا غير عادل للغاية». ولوّح بإجراءات تجارية عقابية ضد مدريد، مؤكداً: «سنجعلهم يدفعون ضعف المبلغ».
ومع اقتراب الموعد النهائي الذي حدده ترامب لشركاء أميركا التجاريين في 9 يوليو للتوصل إلى اتفاقات تجارية جديدة أو مواجهة رسوم أعلى، يبدو أن التجارة ستزيح الأمن القومي مؤقتاً عن صدارة أولويات ترامب.
وفي النهاية، يظل السؤال الأهم: هل هذه الانتصارات قصيرة الأمد؟ أم أنها ستثبت قدرتها على صياغة نظام عالمي أكثر استقراراً؟ يقول راي تاكيه: «إذا طورت إيران الآن قنبلة نووية سراً، وانقسمت التحالفات بسبب تقاسم الأعباء، فسيكون ذلك أكثر إشكالية. ما يريده ترامب هو عالم يعترف بقوته ويخضع لمطالبه، لكن ليس واضحاً ما إذا كان هذا العالم موجوداً بالفعل».
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71800