أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب شنّ غارات مفاجئة على منشآت نووية إيرانية جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية داخل الولايات المتحدة، وسط اتهامات له بتجاوز الكونغرس وجرّ البلاد إلى حرب دون تفويض قانوني.
ففي الوقت الذي وصف فيه مساعدو ترامب الضربة بأنها “عملية محدودة” تستهدف منع إيران من تطوير أسلحة نووية، رأى كثير من الديمقراطيين وحتى بعض الجمهوريين أن هذا الهجوم يعادل إعلان حرب، ويضع الولايات المتحدة فعليًا في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
صلاحيات الرئيس والكونغرس: من يملك قرار الحرب؟
ينص الدستور الأميركي، في مادته الأولى، على أن صلاحية إعلان الحرب تعود حصريًا إلى الكونغرس، وليس للرئيس. لكن المادة الثانية تصف الرئيس بأنه “القائد الأعلى للقوات المسلحة”، مما فتح باب التأويل الواسع خلال العقود الماضية بشأن صلاحياته في شنّ عمليات عسكرية محدودة.
ولطالما تجاهل الرؤساء الأميركيون – من الحزبين – هذا التقييد، مستندين إلى تفسيرات قانونية من مستشاري البيت الأبيض، تسمح لهم باستخدام القوة العسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس، خاصة إذا اعتُبرت العملية “دفاعًا عن النفس” أو “ردًا على تهديد وشيك”.
وفي هذا السياق، دافع وزير الخارجية ماركو روبيو عن الضربات الأخيرة، قائلاً إنها لا ترقى إلى مستوى الحرب، فيما قال نائب الرئيس جي دي فانس إن لترامب “السلطة القانونية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل”.
معارضة في الكونغرس: انتهاك للدستور
لكن هذه التبريرات لم تُقنع منتقدي ترامب. فقد شنّ الديمقراطيون حملة انتقادات واسعة، واعتبروا أن الرئيس تجاوز سلطاته بشكل صارخ.
وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين إن “تصرف ترامب يمثل انتهاكًا واضحًا للدستور”، بينما رأى الجمهوري المعتدل توماس ماسي أن الهجوم لم يكن له ما يبرره، لأن إيران لم تشكل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة.
أما السيناتور تيم كاين فقال: “لو أن إيران قصفت منشأة نووية أميركية، لكنا وصفنا ذلك فورًا بأنه عمل حربي. لماذا لا نطبّق نفس المنطق على تصرفاتنا؟”.
ووصل الأمر إلى حد مطالبة النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز بمساءلة ترامب وربما عزله، على خلفية ما وصفته بـ”عدوان أحادي الجانب يهدد الأمن القومي الأميركي ويقوض القانون الدولي”.
موقف القانونيين: انتهاك داخلي ودولي
يرى خبراء قانونيون بارزون أن الغارات الأميركية تمثل انتهاكًا واضحًا للقانونين الدولي والداخلي على حد سواء.
وقالت أونا هاثاواي، أستاذة القانون في جامعة ييل، إن “ما حدث غير قانوني بموجب ميثاق الأمم المتحدة والدستور الأميركي”، مشيرة إلى غياب أي تهديد وشيك يبرر هذا الهجوم.
وأضاف بريان فينوكان، المستشار القانوني السابق في وزارة الخارجية، أن “الضربة العسكرية ضد إيران أدخلت الولايات المتحدة فعليًا في نزاع مسلح، وتنطبق عليها الآن قوانين الحرب”.
أما الخبير الدولي رايان غودمان من جامعة نيويورك، فقال إن حجج الإدارة حول “الضرورة الوشيكة” لا تصمد، مؤكدًا أن أجهزة الاستخبارات نفسها لم تثبت أن إيران قررت تطوير سلاح نووي.
إيران: انتهاك للسيادة وتحذير من التصعيد
وفي طهران، وصف وزير الخارجية عباس عراقجي الهجوم الأميركي بأنه “خرق غير مسبوق للقانون الدولي وانتهاك لسيادة الجمهورية الإسلامية”، لكنه لم يصل إلى حد إعلان أن بلاده تعتبر نفسها في حالة حرب رسمية مع الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، يرى مراقبون أن إيران قد تردّ بطرق غير تقليدية عبر الميليشيات المتحالفة معها في لبنان والعراق واليمن، أو باستهداف المصالح الأميركية في المنطقة، مما يزيد من خطر الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
في المحصلة، وبينما تجنّب البيت الأبيض إعلان الحرب رسميًا، فإن الواقع الميداني والقانوني يشير إلى أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل في حالة نزاع مسلح مع إيران، حتى وإن لم تُستخدم المصطلحات التقليدية.
وربما تحسم الأيام المقبلة الجدل حول ما إذا كان هذا التصعيد مجرد “ضربة وقائية” محدودة، أم بداية حرب جديدة في الشرق الأوسط تعيد إلى الأذهان كوارث العراق وأفغانستان، ولكن بثمن أكبر وأخطار أوسع.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71741