كشفت صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية أن سلطنة عمان شكلت قناة حوار سرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد قبل سقوطه، معتبرة أنه ضحى ببلاده من أجل البقاء في السلطة قبل ان يخسرها.
وذكرت الصحيفة أنه في أوائل عام 2024، أرسلت الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن رسالة إلى الرئيس السوري عبر سلطنة عمان، وسافر مبعوث من هذه الدولة الواقعة جنوب شبه الجزيرة العربية – التي تعتمد عليها الولايات المتحدة كثيرًا في اتصالاتها السرية في الشرق الأوسط – إلى دمشق للقاء وزير الخارجية فيصل المقداد.
حمل المبعوث الرسالة التالية: “إن واشنطن مهتمة ببدء محادثات سرية في مسقط بشأن مواضيع معينة، مع إمكانية التقدم التدريجي في قضايا أخرى”.
جاء رد بشار الأسد سريعًا.. أعلن الديكتاتور: “لا، نحن لا نتحدث مع الأميركيين”.
بعد أن أُبلغ السلطان العماني هيثم بن طارق بهذا الرفض، وبدت عليه علامات الذهول الواضحة، فاتصل السلطان العماني بالزعيم السوري ليقول له: “ليس من المنطق أن ترفض قناة الحوار مع الولايات المتحدة”، فرد الأسد في النهاية على دائرته المقربة بملاحظة رافضة: “دعونا لا نكون تافهين مع صديقنا السلطان”.
وأخيراً تم إرسال وفد سوري إلى مسقط، ولكن لضمان عدم ظهوره بمصداقية أمام نظرائه الأميركيين، ترأسه الدبلوماسي السابق عماد مصطفى.
كان مصطفى وعلى الرغم من خبرته – حيث عمل سفيراً لدى الولايات المتحدة ثم لدى الصين – قد همش وتم ركنه في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية.
تفاجأ الوفد السوري باختيار الأسد لمن سيقود المهمة، ولكن، كما تنهّد أحدهم، “الأوامر أوامر، ونحن لا نشكك فيها أمام الأسد”.
على الجانب الأميركي، أرسل جو بايدن بريت ماكغورك، أحد مبعوثيه الشخصيين إلى الشرق الأوسط، في إشارة إلى جدية واشنطن، ورافق عماد مصطفى جنرالان من المخابرات، وهي مناورة شائعة في نظام يخضع فيه الجميع للمراقبة.
كرر بشار الأسد تعليماته عشية مغادرتهم إلى مسقط: “لا تعتقدوا للحظة واحدة أنكم ستتفاوضون مع الأمريكيين! عليكم أن ترفضوا كل ما يعرضونه”.
واجهت المجموعة الصغيرة من السوريين المشاركين في دبلوماسية الظل هذه صعوبة في فهم منطق قائدهم، ويتذكر أحدهم بمرارة متأسفاً على الفرصة الضائعة “كان بلدنا في وضع مزرٍ، ومعزول تماماً على الساحة الدولية، وكان شعبنا يعاني. ومع ذلك أُمرنا برفض أي اقتراح كان يمكن أن يساعدنا في انتشالنا من الهاوية”.
خلال عملية التبادل، قدم بريت ماكغورك “العرض” الأمريكي والذي جاء فيه: “نريد أن تتعاون سوريا معنا للعثور على أوستن تايس. وبما أننا نعلم أنكم لا تفعلون أي شيء مجاناً، إذا وافقتم على العمل معنا في قضية تايس، سنوافق على سحب قواتنا (الفي رجل) من حول حقلي كونوكو والعمر النفطيين (في شمال شرق البلاد، بالقرب من الحلفاء الأكراد)، وستحل قواتكم محل قواتنا، ولكن لدينا شرطين: يجب أن تكون قواتكم فقط، وليست الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، ويجب ألا تستخدم هذه المناطق المحيطة بالآبار لمهاجمة جنودنا”.
“التواصل المباشر”
أوستن تايس، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية، يبلغ من العمر 43 عامًا، وهو صحفي أمريكي مفقود في سوريا منذ عام 2012.
كان في داريا، إحدى ضواحي دمشق، التي كانت تتعرض لعملية عسكرية من قبل النظام ضد معارضيه الذين أطلقوا ثورتهم قبل عام. ذكر جو بايدن في أغسطس/آب 2024، بينما كان يدعو إلى “الإفراج الفوري عنه”، أن الولايات المتحدة “ضغطت مرارًا وتكرارًا على الحكومة السورية للعمل معنا حتى نتمكن أخيرًا من إعادة أوستن إلى وطنه”.
أقرت المصادر السورية التي تمت مقابلتها بأن “استعادة هذين الحقلين النفطيين كان سيشكل انتصاراً كبيراً لسوريا”، التي اضطرت للاعتماد على حليفها الإيراني للحصول على الإمدادات في ذلك الوقت.
أخذ بريت ماكغورك أحد محاوريه جانبًا في نهاية الجلسة الأولى من الحوار، ليطلب رقم الواتساب الخاصة به حتى يتمكنا من “التواصل المباشر”، فوافق السوري، واتفق الفريقان على الاجتماع مرة أخرى بعد ثلاثة أسابيع في مسقط.
بقي الأمل في الجانب السوري على الرغم من أوامر الأسد، إلا أنه سرعان ما تبدد، فبعد أن أطلعه رجاله على امر الواتساب لدى عودتهم إلى دمشق، استشاط بشار الأسد غضباً: “من أعطاك الإذن بإعطاء رقم هاتفك”، وطلب من الشخص الجريء أن يلغي رقم ماكغورك أمامه، ثم جاء الحكم: “لن تعود معهم إلى مسقط”.
تدخل السلطان العماني مرة أخرى عند إبلاغه بالرفض السوري، في محاولة لإقناع الأسد بالعدول عن رأيه، لكن دون جدوى.
بعد بضعة أشهر، اتصل رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد، وهو أول زعيم عربي يعيد العلاقات مع دمشق في عام 2018، بالأسد لينصحه بتقوية الوفد السوري بإرسال علي مملوك، رئيس جهاز الأمن في النظام الديكتاتوري الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن في النظام السوري منذ فترة طويلة وقال: “بهذه الطريقة، سيطمئن الأمريكيون، الذين يعرفون مملوك، إلى أن المحادثات ستتقدم”.
وافق الأسد في النهاية على اقتراح حليفه الإماراتي، ولكن لقتل المبادرة بشكل نهائي، رفض مملوك وفضّل نائب وزير الخارجية بسام الصباغ الذي سيساعد عماد مصطفى في التعامل مع الأميركيين.
تم إبلاغ العمانيين بالأمر لكنهم لم يخفوا خيبة أملهم، وبعد أيام قليلة، جاء اتصال من مسقط إلى دمشق: “انسوا الأمر، نحن سنتوقف”، ورد الأميركيون: “انسوا الأمر، نحن سنتوقف ايضاً”.
لم يرد بريت ماكغورك على استفساراتنا حينما اتصلنا به للتعليق.
عين موسكو
وبحسب مصادر عدة، فإن الرفض الأخير للأسد كان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أي قبل أسابيع قليلة من انطلاق معركة حلب، التي كانت مقدمة لسقوطه في الثامن من ديسمبر/كانون الأول.
ويذكر أحد مصادرنا من الدائرة المقربة من الرئيس السوري أن بشار أظهر نفس العناد في رفض تركيا التي أرادت التفاوض معه بشأن مصير جيب إدلب، بينما حاولت إيران وروسيا والعراق إقناعه بلقاء أردوغان، كما يذكر أحد مصادرنا من الدائرة المقربة منه.
وليس من المستغرب أن جميع حلفائه تخلوا عنه في نهاية المطاف عندما انهارت سلطته، مما اضطره إلى مغادرة دمشق كالجبان، ويشرح اثنان من الوزراء السابقين للديكتاتور، “في السنوات الأخيرة، تكلست سلطة الأسد حول عصابة من المافيات والقتلة واللصوص”.
ويتذكر أحدهما: “منذ عام 2017، تفككت البلاد بسبب الآثار المجتمعة للعقوبات الدولية والتحول السلوكي في عشيرة الأسد. كان الأمر كما لو أن هذه العصابة قد وضعت خطة للبقاء على قيد الحياة بهدف تحويل أكبر قدر ممكن من الأموال، وكثيراً ما تدخل بعض الأفراد في اتخاذ القرارات، وفي البداية أولئك الذين أسميهم بنات الأسد: لينا قناية، وربى درويش، ولونا شبل. وقد شكّلن مع بعض الشبان، الذين كانوا في الغالب جهلة لكنّهم كانوا يتمتعون بكل الصلاحيات، مجلس ظلّ وتصرفوا دون إذن”.
كانت حكومة الظل هذه تسمى “لجنة المتابعة”، كما يتذكر أحد وزرائها السابقين، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، ويوضح قائلاً: “لم يكن للوزير أي سلطة عمليًا” مضيفا “كان عليه أن يرفع تقاريره إلى مستشاري الظل هؤلاء. وقد أدركت ذلك خلال مهامي منذ عام 2017 فصاعدًا، ولم يعد لي أي فائدة”.
زرع الاسد في وزارة الخارجية، التي كان يقودها بعثي متشدد، فيصل المقداد، حسين الصباغ الذي كان عينه في موسكو، وكان يرفع تقاريره إليه.
بنات بشار
أكدت لنا مصادر عدة أن الأسد أحاط نفسه في السنوات الأخيرة أكثر فأكثر بالنساء ذوات النفوذ، وقد لعبت إحداهن، لونا شبل، دورًا مهمًا قبل أن تموت في ظروف غامضة.
الشبل هي مستشارة سابقة في مجال الاتصالات، وكانت حاضرة إلى جانب الأسد عندما أجرى مقابلة مع صحيفة لوفيغارو في عام 2013، وبمرور الوقت، أصبحت العضو الأقوى في اللجنة السياسية المسؤولة عن تقديم المشورة للأسد بشأن الخيارات الاستراتيجية.
يتذكر احد المسؤولين لونا الشبل قائلا “كانت تجلس على طرف الطاولة، وكانت تغلق أفواه أعضاء المجموعة بتعجرف إذا أرادت”.
كان من المشاركين في هذا المنتدى الصغير: علي مملوك (الذي لجأ اليوم إلى موسكو)، وفيصل مقداد (الذي يجلس في منزله في دمشق)، وبثينة شعبان، المستشارة السياسية للدكتاتور (التي غادرت إلى الإمارات العربية المتحدة)، والدبلوماسيان بشار الجعفري وعماد سوسان، اللذان سرعان ما غيرا ولاءهما بعد سقوط الأسد.
قُتلت لونا شبل، التي تنتمي للطائفة الدرزية، رسمياً في حادث سيارة بالقرب من دمشق في يوليو الماضي، ويتذكر احد الشهود “كانت غائبة عن بعض الاجتماعات منذ بضعة أشهر”.
ويعتقد الشاهد أنه تم تصفية الشبل من قبل النظام بسبب جشعها المفرط أو بسبب عدائها للحليف الإيراني لدمشق، والذي قد يكون دفعها إلى التواصل مع إسرائيل بمعلومات استخدمها الجيش الإسرائيلي قبل ثلاثة أشهر في ضربات وجهها ضد القنصلية الإيرانية في دمشق، وقد تم اعتقال شقيقها وهو عضو في جهاز المخابرات، في نفس الوقت.
لينا كناية كانت من “فتيات بشار”، المؤثرات والفاسدات، اللاتي يمتلكن عقارات في سوريا وفي أماكن أخرى، ويسعين للاستثمار في الصين، أو يقترحن تأجير فيلات مع مسبح حول دمشق كانت ملكيتها لأشخاص مقربين من المعارضة وتم طردهم منها.
فرت لينا كناية إلى بيروت بعد أيام من سقوط سيدها، قبل أن تتم دعوتها من قبل السلطة الجديدة للعمل مرة أخرى في القصر لبضعة أسابيع، ويتم في النهاية إقالتها ومصادرة ممتلكاتها.
وانضم إلى هذه المجموعة ماهر الأسد، شقيق بشار، الذي يرأس الفرقة الرابعة ويشرف على تهريب الكبتاغون، وتمكنت من جعل سوريا تحت سيطرتها، وتحت سلطة الدكتاتور وزوجته أسماء، التي كانت أيضاً متورطة في نهب الأموال العامة والخاصة.
يتذكر الدبلوماسي “في الأشهر الستة الأخيرة، كانت العصابة قد غسلت الكثير من الأموال في شراء شقق في روسيا وبيلاروسيا، عبر الإمارات العربية المتحدة، كما لو أنهم شعروا بشكل خفي أن الرياح ستتغير”.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71057