من المتوقع أن يكون مفاوضو روسيا وأوكرانيا حاضرين يوم الإثنين في السعودية لإجراء محادثات بشأن وقف إطلاق النار، إلا أنهم لن يلتقوا وجهًا لوجه، في إشارة إلى عمق الهوة التي ما زالت تفصل بين الجانبين المتحاربين، رغم تطمينات البيت الأبيض بأنهم “لم يكونوا أقرب إلى السلام كما هم الآن”.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن المحادثات التي تتم بوساطة أمريكية، ستناول مقترح بوقف إطلاق النار البحري في البحر الأسود، بحسب يوري أوشاكوف، كبير مستشاري السياسة الخارجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وسيبقى المفاوضون في غرف منفصلة، معتمدين على وسطاء لنقل الرسائل بين الطرفين.
وقال كيث كيلوغ، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لأوكرانيا وروسيا، في مقابلة مع شبكة ABC نيوز: “ستكون محادثات مجاورة، أشبه بدبلوماسية المكوكيين في فندق”.
في الوقت الذي أعلنت فيه أوكرانيا دعمها لوقف شامل لإطلاق النار دون شروط مسبقة، لم يوافق بوتين حتى الآن سوى على اقتراح أكثر محدودية، يدعو الطرفين إلى وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة فقط.
ويبدو أن هذا التنازل الانتقائي يصب في مصلحة روسيا، التي ركزت خلال الشتاء على استهداف شبكة الكهرباء الأوكرانية، لكنها كانت تستعد لتغيير هذا النهج مع حلول الربيع. في المقابل، استخدمت أوكرانيا طائرات مسيّرة بعيدة المدى لضرب منشآت تخزين النفط الروسية، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المحلية من الوقود.
وفي منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن ترامب أن بوتين وافق على وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة، مضيفًا أن هناك “تفاهمًا على العمل بسرعة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار كامل”.
غير أنه لا توجد أي مؤشرات على أن موسكو تخلت عن أهدافها القصوى، بما في ذلك إنهاء المساعدات الغربية لأوكرانيا، ووقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، بالإضافة إلى تخلي أوكرانيا عن طموحاتها للانضمام إلى حلف الناتو.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، إن “على بوتين التوقف عن تقديم مطالب غير ضرورية لا تؤدي سوى إلى إطالة أمد الحرب”.
ولا تزال كيفية تنفيذ وقف إطلاق النار الأوسع أمرًا غير واضح، خصوصًا مع رفض روسيا لأي دور لقوة حفظ سلام مدعومة من الناتو.
وصرح صموئيل شاراب، المحلل المتخصص في الشأن الروسي بمعهد راند، قائلًا: “هذه المرحلة من وقف إطلاق النار حساسة للغاية وعرضة للانهيار”، مضيفًا: “يجب أن نتوقع تذبذبًا، خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف”.
واتهم الطرفان بعضهما البعض، الجمعة، بتقويض الهدنة الجزئية. فقد زعمت موسكو أن كييف فجّرت محطة وقود في مدينة سودجا، الواقعة في غرب روسيا، والتي استولت عليها أوكرانيا خلال توغل مفاجئ العام الماضي.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: “الجميع يمكنه أن يرى مدى إمكانية الثقة في كلام زيلينسكي”.
وفي وقت سابق من اليوم نفسه، شنّت الطائرات المسيّرة الروسية هجومًا على مدينة أوديسا الساحلية الأوكرانية، ما أدى إلى تدمير مبنى سكني شاهق ومركز تسوق، واندلاع حرائق كبيرة. وكتب أندريه يرماك، مستشار الرئاسة الأوكرانية، عبر تيليغرام: “روسيا تهاجم مرة أخرى البنية التحتية المدنية”.
وكان زيلينسكي قد صرح، الأربعاء، بأن مكتبه يُعد قائمة بالبنى التحتية المدنية التي ينبغي استثناؤها من الهجمات المستقبلية، وتشمل السكك الحديدية والمنشآت المينائية.
وعبّر أندريه ستافنيتسر، الشريك والرئيس التنفيذي لأكبر موانئ أوكرانيا (TIS)، عن “تشكيكه” في أي اتفاقات مع روسيا، قائلًا: “ما رأيناه في المرة الماضية كان تخريبًا ومحاولات متعمدة لإقصاء أوكرانيا من الأسواق العالمية وتأخيرًا متعمدًا”.
وأضاف: “لضمان الالتزام، يجب أن يكون هناك مراقبون دوليون على الأرض، ويفضل أن يكونوا أمريكيين”.
ويرى عالم السياسة الروسي كيريل روجوف أن سعي موسكو إلى وقف إطلاق النار البحري في البحر الأسود منطقي، نظرًا إلى أن أوكرانيا شلّت معظم الأسطول الروسي هناك، و”تسيطر على معظم المياه باستخدام طائرات بحرية مسيّرة”.
وأضاف روجوف: “بوتين لا يملك أي أفضلية هنا، لذا فمن الملائم له أن يوافق على وقف جزئي لإطلاق النار في هذه المنطقة”.
وقد أشارت موسكو أيضًا إلى أن محادثات السعودية ستتناول شحنات الحبوب في البحر الأسود. ففي إطار اتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة خلال صيف 2022، سُمح لأوكرانيا بتصدير حبوبها من الموانئ التي كانت محاصرة من قبل روسيا.
إلا أن الاتفاق تعرض لمشاكل منذ بدايته، حيث اتهمت روسيا أوكرانيا باستخدام الممر الآمن لشن هجمات بطائرات مسيّرة، وتم تعليق الاتفاق بعد عام واحد.
ومنذ ذلك الحين، سعت أوكرانيا إلى إيجاد طرق بديلة للتصدير، بما في ذلك ممرات برية عبر أوروبا، وشحنات عبر نهر الدانوب، لكنها أكثر تكلفة بكثير.
وسيرأس الوفد الروسي في الرياض غريغوري كاراسين، وهو عضو مجلس الشيوخ المشرف على الشؤون الخارجية، وسيرغي بيسيدا، مستشار بارز لمدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.
أما الوفد الأوكراني فسيترأسه وزير الدفاع رستم أوميروف، وبافلو باليسا، نائب رئيس مكتب الرئاسة، وفقًا لمسؤول أوكراني رفيع مطلع على المحادثات، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل حساسة. وقد أكد زيلينسكي أن الوفد سيضم أيضًا خبراء في مجال الطاقة و”أشخاصًا لديهم فهم عميق للبنية التحتية للموانئ”.
وسيشارك في الوساطة الأمريكية مايكل أنطون، مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية تحت قيادة الوزير ماركو روبيو، بالإضافة إلى مساعدي كيلوغ وممثلين من مكتب مستشار الأمن القومي مايكل والتز.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة إقناع بوتين بإنهاء الحرب، تظل هناك تساؤلات حول مدى النفوذ الأمريكي على الزعيم الروسي، ومدى استعداد ترامب لاستخدام هذا النفوذ.
ورغم العقوبات الغربية التي فُرضت بعد الغزو الروسي، فإنها لم تنجح في إيقاف آلة الحرب الروسية. وبينما اتخذت إدارة بايدن المنتهية ولايتها خطوات أشد، مثل استهداف أسطول الناقلات النفطية الروسي، فإن واشنطن كانت حذرة من فرض قيود إضافية على تدفقات الطاقة الروسية، خشية اضطراب الأسواق العالمية.
ويرى المحللون أن نجاح العقوبات الحالية يعتمد إلى حد كبير على فرض عقوبات ثانوية على الدول التي تساعد روسيا في التهرب من العقوبات أو تشتري نفطها. وقد أعلنت الولايات المتحدة بالفعل أن تخفيف العقوبات وإعادة بعض العلاقات مع موسكو يمكن أن يكون جزءًا من اتفاق سلام شامل.
واعتبر روجوف، عالم السياسة الروسي، أن هذه التصريحات تعطي إشارة لشركاء موسكو التجاريين بأنهم لن يُعاقبوا على مواصلة أعمالهم كالمعتاد. وأضاف: “بهذا التصرف، ترامب يحرم نفسه فعليًا من أي نفوذ على بوتين”.
ويظل المطلب الأساسي لروسيا هو إنهاء مشاركة الولايات المتحدة في تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، وهو ما كان له دور حاسم في الدفاعات الأوكرانية، وقد علّقته واشنطن مؤقتًا بعد مواجهة متوترة بين زيلينسكي وترامب ونائب الرئيس جي دي فانس خلال اجتماع في البيت الأبيض الشهر الماضي.
وقد استأنفت الولايات المتحدة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا الأسبوع الماضي بعد موافقة زيلينسكي على وقف إطلاق نار شامل، وهو أمر رفضه بوتين لاحقًا.
وفي ظل تراجع علاقاتها مع البيت الأبيض، تعهدت أوروبا بمواصلة دعم أوكرانيا، لكنها لا تزال تجد صعوبة في الحصول على مقعد على طاولة المفاوضات، وهو انتصار آخر لبوتين الذي أصر على أن تكون موسكو وواشنطن وحدهما من يتفاوضان على أي اتفاق نهائي.
واقترحت المفوضية الأوروبية خطة لإنفاق نحو 870 مليون دولار خلال السنوات الأربع المقبلة لتعزيز دفاعاتها وتقليل اعتمادها على واشنطن، لكن المحللين يرون أن التنفيذ هو العامل الحاسم.
وقالت ماريا سنيغوفايا، المتخصصة في الشأن الروسي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن موقف أوروبا الآن “حاسم للغاية”، مشددة على ضرورة “تقديم قائمة بمقترحات عملية لدعم أوكرانيا”، إضافة إلى توفير “التمويل اللازم لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة”.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=70984