
دبي – يولي لبنان أهمية استثنائية للاتصالات الدبلوماسية العربية والدولية الرامية إلى منع نشوء فراغ أمني حاد في المنطقة الجنوبية للبلاد، وذلك مع اقتراب موعد انتهاء المهمة الموكولة إلى قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» لتنفيذ القرار رقم 1701 من مجلس الأمن الدولي بحلول نهاية العام الحالي. وقد ركّز رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون هذا الملف بشكل مكثّف خلال القمة الثلاثية التي جمعته بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، على هامش المؤتمر التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي استضافته العاصمة الفرنسية باريس.
وقبل افتتاح الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي المعني بدعم المؤسسات الأمنية في قصر «الانفاليد»، عقد اللقاء الثلاثي الذي ضم الرئيس عون والملك عبد الله الثاني والرئيس ماكرون، حيث تمحورت مناقشاتهم حول آليات رفع مستوى التعاون الثنائي والإقليمي لضمان استقرار الحدود الجنوبية. ويُنظر إلى هذه المواقف المشتركة كخطوة تمهيدية أساسية للقاءات المرتقبة التي سيعقدها رئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك، خلال ترؤسه الوفد اللبناني الرسمي إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، تليها جولة من المشاورات في واشنطن.
وتأتي هذه الجهود الديبلوماسية في ظل غياب أي توافق دولي واضح حول المرجعية الدولية البديلة التي يمكن أن تحل محل قوة «يونيفيل» في حال عدم تمديد ولايتها. وقد عبّر قائد القوة الإيطالية ديو داتو أبانيارا عن قلقه العميق بشأن هذا السيناريو، متسائلاً بصراحة عن الجهة التي ستستلم المسؤولية الميدانية، خاصة وأن أكثر من نصف المواقع التابعة للقوات تقع حالياً تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وكشف مصدر وزاري لبناني أن الرئيس عون أبرز خلال لقائه بماركرون وعبد الله الثاني المخاوف الجادة من تكرار سيناريوهات الفراغ الأمني في الجنوب، وهو ما لقي تفهماً وقلقاً مشتركاً من الجانبين الفرنسي والأردني. وقد وعد الزعيمان بالتواصل المباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإقناعه بالموافقة على تمديد مهمة «يونيفيل» لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بناءً على طلب رسمي من بيروت.
وأوضح المصدر أن التمديد المطلوب يفتح الباب أمام تفعيل كامل لـ«اتفاق الإطار»، مما يسمح بتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» ليتمكن الجيش اللبناني من الانتشار فيها بمؤازرة مباشرة من قوات «يونيفيل». وأكد أن ماكرون وعبد الله الثاني يعلقان أهمية كبيرة على تعهد ترمب بمساعدة لبنان في تطبيق هذا الاتفاق، سواء بإشراف «يونيفيل» أو بأي قوة أممية أخرى قادرة على تولي المهام.
من جانب آخر، أفاد المصدر بأن دول الاتحاد الأوروبي تدرك تماماً مخاوف لبنان وتعمل حالياً على بلورة تصور سياسي قبل نهاية أكتوبر المقبل، يأخذ بعين الاعتبار الإبقاء على وجود دولي في الجنوب لمواكبة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي على مراحل، في حال تعذّر إقناع الإدارة الأميركية بتمديد الولاية الحالية.
ورأى المحللون أن المرجعية البديلة يجب أن تحظى بغطاء أممي واسع بدلاً من الاكتفاء بوجود لجنة «ميكانيزم» ذات الطابع الأميركي الصريح، بعد أن استبعدت الولايات المتحدة فرنسا من عضويتها. ونقل المصدر عن مرجع أوروبي قوله إنه من غير المقبول ترك لبنان وحيداً في مطالبته بقوة دولية بديلة، مشيراً إلى أن المجموعة الأوروبية ستقف بجانب بيروت لمنع حدوث فراغ، وذلك على هامش اللقاءات المرتقبة في نيويورك.
ويتمسك لبنان بطلبه بإخلاء إسرائيل لتلال «علي الطاهر» وإحلال الجيش اللبناني مكانها، على أن يتلازم ذلك مع إنشاء نقطة رقابة يغلب عليها الحضور الأميركي. وفي المقابل، ترفض إسرائيل تسليم الموقع، وتطالب بإحالة الطلب اللبناني إلى جدول أعمال الجولة الثامنة من المفاوضات التي تستضيفها روما للمرة الثالثة، رغم عدم تحديد موعد لانعقادها حتى الآن.
ويقع تحديد موعد الجولة الثامنة على عاتق الولايات المتحدة باعتبارها الراعي الرسمي لتطبيق «اتفاق الإطار». وتساور الشكوك حول ما إذا كان التأخير يعود لرغبة واشنطن في تحقيق تقدم يخرجها من حالة المراوحة، بينما تضغط حالياً على إسرائيل للتجاوب مع طلب توسيع «المناطق التجريبية»، على الرغم من تصريحات السفير مايك هاكابي بأن الجيش الإسرائيلي سيظل موجوداً في الجنوب حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً.
ولم تتجاوب إسرائيل حتى الساعة مع تشكيل آلية التحقق من خلو المناطق من سلاح ومقاتلي «حزب الله»، واستمرت في استهداف المناطق المحررة ومنع الجيش من الانتشار فيها. وسأل دبلوماسي غربي عن الأسباب الكامنة وراء عدم التزام ترمب بما تعهّد به لعون في واشنطن، مؤكداً أن القلق من إقحام الجنوب في فراغ أممي سيتصدر الأجندة العربية والأوروبية مع كبار المسؤولين الأميركيين.
وشدد الدبلوماسي الغربي على ضرورة توفير الدعم لعون وحكومة سلام للاستقواء على «حزب الله» لقطع الطريق عليه، مستفسراً عما حققته الجولة السابعة من المفاوضات. ورأى أن لبنان لم يعد يحتمل تأجيل تنفيذ «اتفاق الإطار» لما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلية، خاصة وأن نتنياهو يدرج توسعة المنطقة الأمنية في برنامجه الانتخابي لمحاكاة الناخبين.
وأوضح المصدر الوزاري أن نتنياهو يواصل تجريف البلدات وتدمير المنازل بذريعة القضاء على البنى العسكرية المتبقية لـ«حزب الله»، لكنه يراهن في الأساس على تفلت لبنان من المفاوضات. وشدد على أن الرئيس عون ثابت على خياره ولن يُستدرج لمخططات نتنياهو التي تبدو وكأنها تمت الموافقة عليها بضغط أميركي فقط دون انخراط حقيقي في التطبيق قبل الانتخابات.
وتوقف المصدر عند تجديد الثقة لحكومة سلام للمرة الثالثة، معتبراً أنها دليل على تمسك الأكثرية النيابية بـ«اتفاق الإطار» وبحصرية السلاح بيد الدولة. وحذر في الوقت نفسه من تفاقم الأزمة المعيشية التي قد تضع الحكومة في مواجهة مع الشعب، مشدداً على ضرورة إيجاد حلول فورية للتخفيف من الأعباء الاقتصادية عن ذوي الدخل المحدود عبر جرعات دعم عاجلة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار خليج 24.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=76834


