تتحرك السعودية بخطى متسارعة لتعزيز نفوذها في سوريا بعد سقوط حكم عائلة الأسد أواخر العام الماضي، عبر استخدام أدوات القوة الناعمة المتمثلة في الاستثمارات الضخمة والمساعدات الإنسانية.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة، التي تجمع بين إعادة الإعمار وتقديم العون المباشر للمدنيين، تهدف إلى تثبيت موقع المملكة كراعٍ رئيسي لسوريا الجديدة، وموازنة نفوذ قوى إقليمية ودولية طالما تنافست على الساحة السورية.
ففي يوليو الماضي، وقعت الرياض اتفاقيات استثمارية مع دمشق بقيمة 6.4 مليار دولار، تركز على إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة من مدارس ومستشفيات ومخابز.
كما تعهدت المملكة بتوفير 1.65 مليون برميل من النفط الخام لتوليد الكهرباء، فضلاً عن إزالة الأنقاض وإعادة بناء المرافق الحيوية. وفي أبريل، شاركت السعودية إلى جانب قطر في سداد 15 مليون دولار من ديون سوريا للبنك الدولي، ما ساهم في تخفيف الضغوط المالية على الحكومة الجديدة.
وتأتي هذه الحزمة من المساعدات في وقت حساس، إذ تبحث دمشق عن شركاء موثوقين بعد انسحاب أو تراجع داعميها التقليديين، لا سيما روسيا وإيران، وتواجه تحديات إعادة البناء وتثبيت الاستقرار.
البعد الإنساني كمدخل سياسي
لم تكتف السعودية بالوعود الاستثمارية، بل ركزت على الميدان الإنساني. فرقها الطبية انتشرت في أنحاء سوريا، وأجرت عمليات دقيقة مثل جراحات القلب وزراعة القواقع السمعية.
ومن أبرز الأمثلة المراهق محمد حصرم (13 عامًا) الذي فقد ذراعيه في انفجار ذخيرة، قبل أن يحصل على أطراف صناعية موّلتها الرياض، ليقول مبتسمًا: “الآن أستطيع أن أستخدم القلم من جديد، وأن أرسم وألعب مع زملائي”.
وتعزز هذه القصص الإنسانية صورة السعودية كشريك داعم، وتفتح لها أبواب التأثير الشعبي، وهو ما أكده وزير الطوارئ السوري رائد الصالح حين وصف المشاريع بأنها “تعزز مكانة السعودية لدى السوريين”.
حسابات الرياض الإقليمية
تأتي تحركات السعودية ضمن رؤية استراتيجية واضحة. عمر كريم، الباحث في جامعة برمنغهام، يرى أن الهدف الأساسي هو ضمان بقاء سوريا الجديدة ضمن “المعسكر السعودي”، والحفاظ على انسجامها مع مواقف المملكة في ملفات مثل لبنان وحزب الله وإيران.
كما تسعى الرياض لموازنة النفوذ التركي والقطري، اللذين دعما الحكومة السورية الجديدة منذ بدايتها. وبالنسبة للرياض، فإن السيطرة على مسار إعادة الإعمار تمثل وسيلة لضمان ألا يتجاوز نفوذ خصومها الإقليميين حدودًا تهدد مصالحها.
وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لعب دورًا مباشرًا في تقريب سوريا من الفلك السعودي.
فقد أقنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو الماضي برفع العقوبات عن دمشق، ورتّب لقاءً تاريخيًا بين ترامب والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
وقد عززت هذه الخطوات شرعية الحكومة الجديدة ومنحت السعودية موقعًا مركزيًا في رسم مستقبلها السياسي والاقتصادي.
المخاوف من النفوذ السياسي
رغم الترحيب الواسع بالدعم السعودي، يبدي البعض قلقًا من أن تتحول الاستثمارات إلى أداة للتدخل السياسي.
وعبر التاجر حمادي الرفاعي من إدلب عن ذلك بوضوح قائلاً: “الاستثمارات السعودية جيدة طالما لم يكن لها تأثير سياسي أو تدخل في الشؤون الداخلية”.
وتعكس هذه المخاوف حساسية السوريين تجاه أي نفوذ خارجي بعد سنوات من الصراع الذي حول بلادهم إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية.
مكافحة الكبتاغون كأولوية
أحد الأهداف المركزية للسعودية هو وقف تجارة الكبتاغون، التي أصبحت أكبر صادرات سوريا خلال الحرب. المملكة، كونها السوق الرئيسي لهذه المخدرات، ترى أن دعم الاقتصاد السوري وتوفير فرص بديلة قد يسهم في القضاء على هذه الصناعة.
وأوضحت رابحة سيف علام، الباحثة في مركز الأهرام، أن السعودية “تحاول خلق خط دفاع متقدم يمنع سوريا من الانزلاق مجددًا إلى الفوضى أو الانضمام لمحاور إقليمية مزعزعة للاستقرار”، مشيرة إلى أن القضاء على الكبتاغون يتطلب بدائل اقتصادية مشروعة.
ورغم إعلان السلطات السورية الجديدة عن مصادرة ملايين الحبوب منذ سقوط الأسد، إلا أن عمليات التهريب لم تتوقف، ما يجعل هذه القضية أحد أبرز اختبارات جدية لفعالية النفوذ السعودي.
وبالنسبة للسوريين العاديين، الدعم السعودي يظهر في صورة مساعدات ملموسة: مدارس تُرمم، مستشفيات تُعاد تشغيلها، أطفال يحصلون على أطراف صناعية.
أما بالنسبة لصناع القرار في الرياض، فالقصة أوسع بكثير: بناء نفوذ سياسي طويل الأمد، وقطع الطريق أمام إيران وتركيا، وتحصين الخليج من تهديدات عدم الاستقرار.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72779