
دبي – يشهد سوق العمل في الإمارات تنامي ظاهرة التنقل السريع بين الوظائف، في ظل سعي عدد متزايد من الموظفين إلى تحسين رواتبهم، واكتساب مهارات جديدة، والحصول على فرص مهنية أفضل، بالتزامن مع تحولات يشهدها قطاع التوظيف عالميًا وتغير أولويات القوى العاملة.
وأصبح الانتقال المتكرر بين الوظائف، الذي يُعرف عالميًا باسم “Job Hopping”، أكثر شيوعًا في الإمارات، خاصة في دبي، بعد أن كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره مؤشرًا على عدم الاستقرار المهني.
وتعكس تجربة المتخصص في التصميم والتكنولوجيا جورج إيفانز هذا التوجه، إذ شغل ست وظائف خلال سبع سنوات في الإمارات، موضحًا أن بعض انتقالاته جاءت نتيجة تسريح العمالة خلال جائحة كوفيد-19، وتقليص الوظائف في شركات أخرى، بينما كانت بعض الوظائف مؤقتة لتغطية التزاماته المالية أو بسبب محدودية فرص التطور المهني.
وتشير أحدث بيانات منصة لينكدإن إلى أن 72% من المهنيين في الإمارات يخططون للبحث عن وظيفة جديدة خلال العام الجاري، في حين يرى 65% منهم أن العثور على وظيفة أصبح أكثر صعوبة مقارنة بالعام الماضي.
ويرى مختصون أن سوق العمل الإماراتي يوفر بيئة مناسبة لهذه الظاهرة، بفضل انخفاض معدلات البطالة، ووجود فرص مستمرة في قطاعات مثل التكنولوجيا والخدمات المالية والضيافة والرعاية الصحية، إلى جانب الطبيعة الدولية للقوى العاملة التي يشكل الوافدون جزءًا كبيرًا منها.
وفي الوقت نفسه، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل سوق العمل، إلا أن خبراء يحذرون من المبالغة في الاعتماد عليه كبديل مباشر للموظفين.
وكان رئيس مجلس إدارة شركة نون، محمد العبار، قد أعلن في وقت سابق أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خفض عدد الوظائف في الشركة، إلا أن دراسات دولية تشير إلى أن عدداً من الشركات التي خفضت العمالة اعتمادًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي عادت لاحقًا إلى التوظيف بعد ظهور فجوات تشغيلية.
ووفقًا لدراسة أجرتها شركة Orgvue، فإن 55% من قادة الأعمال الذين خفضوا الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي أعربوا لاحقًا عن ندمهم على تلك القرارات.
كما أظهرت دراسة لشركة Robert Half أن 32% من مديري التوظيف في الولايات المتحدة أعادوا توظيف موظفين لشغل وظائف سبق أن ألغيت بدعوى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فيما تتوقع شركة Gartner التراجع عن نصف عمليات تقليص الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027.
وتصف المديرة العامة لشركة فكرة للموارد البشرية، سارة بروكس، هذه الظاهرة بأنها “ارتداد الذكاء الاصطناعي”، مشيرة إلى أن بعض الشركات سارعت إلى تقليص الوظائف لإظهار الكفاءة وخفض التكاليف، قبل أن تضطر لاحقًا إلى إعادة التوظيف بعد اكتشاف الحاجة المستمرة للعنصر البشري في إدارة العمليات واتخاذ القرارات.
ويرى إيفانز أن قطاع التكنولوجيا يعد من أكثر القطاعات تقلبًا، ما يجعل الانتقال بين الوظائف في كثير من الأحيان ضرورة وليس خيارًا.
وتبرز أيضًا الفوارق بين الأجيال في التعامل مع المسار الوظيفي، إذ أظهر استطلاع عالمي أجرته شركة راندستاد عام 2024 أن متوسط مدة بقاء موظفي جيل زد في الوظيفة خلال السنوات الأولى من حياتهم المهنية يبلغ 1.1 سنة فقط، مقارنة بـ 1.8 سنة لجيل الألفية، ونحو ثلاث سنوات لجيل طفرة المواليد.
ويعزو بعض الخبراء هذا التغير إلى اهتمام الأجيال الشابة بتحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، والبحث عن بيئات عمل توفر فرص التطور والصحة النفسية، أكثر من التركيز على الاستقرار طويل الأمد في مؤسسة واحدة.
وفي المقابل، يرى مختصون في التوظيف أن كثيرًا من الشباب يفضلون الاستمرار في وظائفهم عندما تتوافر فرص واضحة للترقية والتطور المهني، وأن الانتقال يحدث غالبًا عند غياب هذه الفرص.
وتحمل هذه الظاهرة تكلفة مالية كبيرة على الشركات، إذ تشير تقديرات جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM) إلى أن تكلفة استبدال الموظف قد تتراوح بين 50% و200% من راتبه السنوي، بعد احتساب تكاليف التوظيف والتدريب وفقدان الإنتاجية.
كما يزيد نظام مكافأة نهاية الخدمة في الإمارات من كلفة دوران الموظفين، إذ يحق للعامل الذي يكمل عامًا واحدًا في وظيفته الحصول على مكافأة تعادل 21 يومًا من الراتب الأساسي عن كل سنة خلال السنوات الخمس الأولى.
وترى سارة بروكس أن إعادة التوظيف بعد عمليات التسريح تؤدي إلى مضاعفة التكاليف، فضلًا عن تأثيرها في ثقة الموظفين وسمعة الشركات، إذ يلاحظ العاملون عندما يُستغنى عن زملائهم ثم يُعاد توظيف آخرين في الوظائف نفسها.
وفي المقابل، تشير بيانات شركة Wealthify البريطانية إلى أن الموظفين الذين غيروا وظائفهم أكثر من أربع مرات خلال عشر سنوات حققوا، في المتوسط، دخلاً يزيد بنسبة 31% مقارنة بمن بقوا في الوظيفة نفسها.
ويؤكد إيفانز أن تحقيق الاستفادة من الانتقال بين الوظائف يتطلب وجود خطة مهنية واضحة، مشيرًا إلى أن الانتقال إلى أدوار أكثر تطورًا كان أسرع من انتظار الترقيات داخل المؤسسة نفسها.
ويشير خبراء الموارد البشرية إلى أن خصوصية سوق العمل الإماراتي تضيف عوامل أخرى تدفع الموظفين إلى تغيير وظائفهم، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، والتحاق بعض الوافدين بأي وظيفة للحصول على الإقامة قبل الانتقال لاحقًا إلى وظائف أفضل، إضافة إلى ممارسات بعض الشركات خلال فترات التجربة.
ويرى مختصون أن الحد من ارتفاع معدل التنقل الوظيفي يتطلب من الشركات توفير مسارات واضحة للتطور المهني، واعتماد أنظمة عمل مرنة، وتعزيز برامج التطوير المستمر، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى أن التنقل بين الوظائف أصبح أحد السمات البارزة لسوق العمل الحديثة، وليس مجرد ظاهرة مؤقتة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75285


