حذّر تقرير حديث من تسارع خطير في وتيرة الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الرقمية حول العالم، مؤكدًا أن المتسللين باتوا يتحركون بسرعة تفوق قدرة أنظمة الأمن التقليدية على الاستجابة، ما يفرض تحولًا جذريًا في أساليب الحماية السيبرانية.
وأفاد التقرير، الصادر عن شركة Qualys الأمريكية والمتخصصة في أمن تكنولوجيا المعلومات، أن النماذج التقليدية القائمة على الاستجابة البشرية لم تعد كافية، داعيًا إلى تبني حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة لمواكبة التهديدات المتزايدة.
وأشار التقرير، الذي حمل عنوان “الفيزياء المعيبة للمعالجة”، إلى أن “الجدول الزمني للمهاجم هو العامل الحاسم”، مؤكدًا أن أسلوب “ضرب الخلد” في التعامل مع التهديدات لم يعد فعالًا في ظل الحجم الهائل للهجمات وتسارعها.
وقال سعيد عباسي، رئيس وحدة أبحاث التهديدات في الشركة، إن متوسط الزمن اللازم لاستغلال الثغرات الأمنية شهد انهيارًا ملحوظًا، ما يعني أن القراصنة باتوا قادرين على اكتشاف نقاط الضعف واستغلالها خلال فترات زمنية قصيرة للغاية.
وأضاف أن هذا التسارع يخلق “عاصفة مثالية” من الخسائر المالية والاضطرابات التكنولوجية، مشيرًا إلى أن فرق تكنولوجيا المعلومات، رغم تكثيف جهودها في معالجة الثغرات، تجد نفسها عاجزة عن اللحاق بوتيرة التهديدات.
وأوضح عباسي أن المشكلة لا تكمن في تقصير المؤسسات، بل في “الحجم الهائل للمخاطر”، حيث تتزايد الثغرات بوتيرة تفوق القدرة على إصلاحها.
وبيّن التقرير أن 88% من الثغرات الأمنية الحرجة التي تم استغلالها خلال السنوات الأربع الماضية جرى إصلاحها بوتيرة أبطأ من استغلالها من قبل المهاجمين، ما يعكس فجوة متنامية بين قدرات الدفاع والهجوم في الفضاء الرقمي.
وفي ظل هذا الواقع، شدد التقرير على ضرورة إحداث “تحول معماري” في الأمن السيبراني، يقوم على الانتقال من الاستجابة التفاعلية إلى أنظمة ذكية قادرة على التنبؤ والاستجابة الذاتية.
واقترح التقرير اعتماد نموذج “مركز عمليات المخاطر” الذي يدمج الذكاء الاصطناعي مع التحليل الفوري للتهديدات، بما يسمح باتخاذ قرارات تلقائية وسريعة للحد من الاختراقات.
من جانبه، أكد سوميد ثاكار، الرئيس التنفيذي لشركة Qualys، أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يعني إلغاء دور العنصر البشري، بل إعادة توجيهه نحو مهام أكثر استراتيجية.
وأوضح أن العاملين في مجال الأمن السيبراني مطالبون بالانتقال من تنفيذ الإجراءات اليومية إلى إدارة السياسات والإشراف على الأنظمة الذكية، في ما وصفه بـ“الواقع التشغيلي الجديد”.
ويأتي هذا التقرير في وقت يتصاعد فيه الجدل حول دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز أو تعقيد الأمن السيبراني، مع تزايد المخاوف من استخدامه أيضًا من قبل الجهات الخبيثة لتطوير هجمات أكثر تعقيدًا.
وفي سياق متصل، أشار عباسي إلى أن دول الشرق الأوسط قد تمتلك فرصة نسبية لتعزيز دفاعاتها الرقمية، نظرًا لاعتمادها على بنى تحتية حديثة نسبيًا، ما يسمح ببناء أنظمة أمنية متقدمة منذ البداية، بخلاف الدول التي تعتمد على أنظمة قديمة يصعب تحديثها.
وأكد أن هذه الدول يمكنها تسريع استجابتها للهجمات إذا استثمرت في تقنيات الدفاع الذاتي والأنظمة الذكية منذ المراحل الأولى.
من جهته، وضع المنتدى الاقتصادي العالمي المخاطر السيبرانية ضمن أبرز التهديدات العالمية قصيرة وطويلة الأمد في تقرير المخاطر لعام 2026، محذرًا من أن التهديدات التكنولوجية مرشحة للتفاقم خلال العقد المقبل.
وأشار تحليل المنتدى إلى أن تصاعد الهجمات الإلكترونية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية، سيجعل الأمن السيبراني أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات والشركات في المستقبل القريب.
ويعكس هذا التحذير تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع متقدمة، حيث لم تعد الهجمات تقتصر على التخريب أو الابتزاز، بل باتت تهدد استمرارية الأعمال والبنى التحتية الحيوية.
ويؤكد التقرير أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن السيبراني، تقوم على السرعة والذكاء والاستباقية، في مواجهة خصوم يتحركون بوتيرة غير مسبوقة، ما يضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع واقع رقمي أكثر خطورة وتعقيدًا.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74726