
كشف تقرير نشرته مجلة نيويوركر أن الصين تمضي بوتيرة متسارعة نحو السيطرة على صناعات المستقبل، مستفيدة من استثمارات حكومية طويلة الأمد وسياسات صناعية متكاملة، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة مخاوف متزايدة من تراجع قدرتها على المنافسة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات.
وأشار التقرير إلى أن التقدم الصيني جاء في وقت انشغلت فيه الولايات المتحدة بقضايا داخلية وسياسات تجارية وهجرة وميزانية، وهو ما منح بكين فرصة لتعزيز موقعها في القطاعات التي يُتوقع أن تقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وأوضح التقرير أن عقوداً من الاستثمار الحكومي والتخطيط الصناعي والدبلوماسي بدأت تؤتي ثمارها، مع توسع الصين في الصناعات عالية التقنية ونجاحها في استقطاب الكفاءات العلمية، بما في ذلك باحثون وخبراء سبق أن عملوا في شركات أدوية غربية كبرى وجامعات مرموقة.
ونقل التقرير عن مسؤول تنفيذي أمريكي قوله إن القلق يتزايد في واشنطن من أن تصبح التكنولوجيا الحيوية بالنسبة للصين مشابهة لما حققته سابقاً في قطاع السيارات الكهربائية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة خسرت عدداً من العلماء والباحثين الذين عادوا إلى الصين وأسهموا في تطوير صناعاتها المتقدمة.
وأضاف التقرير أن بكين تعمل أيضاً على تعزيز صورتها كمركز عالمي للتكنولوجيا، من خلال استضافة مستثمرين ومؤثرين ومعلقين غربيين في جولات تعرض أحدث مشاريعها في مجالات البنية التحتية والابتكار، في إطار جهود تستهدف إبراز التحول الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن العاصمة الصينية أصبحت مختلفة بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل أكثر من عقد، حيث أصبحت المركبات الكهربائية تهيمن على حركة النقل، فيما توسعت التجارة الإلكترونية وأنظمة الدفع الرقمي إلى درجة جعلت معظم المعاملات اليومية تتم عبر تطبيقات إلكترونية مثل “ويتشات” و”علي باي”.
وأوضح التقرير أن هذا التحول الرقمي ترافق مع توسع استخدام البيانات الضخمة والخوارزميات في إدارة الحياة اليومية، حيث تعتمد أنظمة الدفع والخدمات الإلكترونية على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات المتعلقة بحركة المستخدمين وسلوكهم الاستهلاكي.
وسلط التقرير الضوء على التقدم الكبير الذي أحرزته الصين في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن بعض الأنظمة باتت قادرة على تحليل الانفعالات البشرية من خلال قراءة تعابير الوجه والإيماءات الدقيقة، في تطبيقات تمتد إلى مجالات الأمن والتعليم.
وأضاف أن هذه التقنيات تتيح، وفق التقرير، تقييم الحالة العاطفية للأفراد وإصدار مؤشرات تتعلق بمستويات التوتر أو الهدوء، بينما تستخدم بعض الأنظمة تطبيقات مشابهة داخل المدارس لمتابعة مستوى انتباه الطلاب.
وعلى صعيد الإنتاج الصناعي، أورد التقرير أرقاماً تشير إلى أن الصين تنتج نحو 70% من الطائرات المسيّرة والمركبات الكهربائية وبطاريات الليثيوم أيون والخلايا الشمسية في العالم، كما تستخدم عدداً من الروبوتات الصناعية يفوق ما تستخدمه بقية دول العالم مجتمعة.
وأشار كذلك إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة في عدد التجارب السريرية المسجلة في القطاع الطبي، بينما تبلغ قدرتها على بناء السفن نحو 200 ضعف القدرة الأمريكية، في مؤشر على اتساع الفجوة في بعض القطاعات الصناعية.
ورغم هذا التقدم، أكد التقرير أن القيادة الصينية لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إذ ترى أن واشنطن، رغم التحديات التي تواجهها، ما تزال تمثل القوة الأكثر تأثيراً على المستوى الدولي.
وفي المقابل، حذر خبراء تحدثوا إلى المجلة من أن خسارة الولايات المتحدة للسباق في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات، كما حدث سابقاً في صناعات الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية، قد تؤدي إلى تغير طويل الأمد في موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
ولفت التقرير إلى أن دوائر بحثية صينية تعتبر أن السياسات الأمريكية الأخيرة، بما فيها الرسوم الجمركية والتوتر مع الحلفاء وسياسات الهجرة، ساهمت في تسريع صعود الصين وإضعاف النفوذ الأمريكي.
ونقل عن دبلوماسي أوروبي شارك في اجتماعات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ وعدد من كبار مستشاريه قوله إن القيادة الصينية تتعامل بثقة متزايدة مع موقعها الدولي، في ظل قناعة بأن بكين أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى لعب دور القوة العالمية الأولى في عدد من القطاعات الاستراتيجية.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75451


