انعقد في العاصمة الإماراتية منتدى حول مستقبل المساعدات الإنسانية، اجتمع خلاله مرجعيات دولية ومحلية وخبراء سياسة للتباحث في قدرة دول الخليج على سد الفجوات المتزايدة في التمويل والإمداد الإنساني بعد تحوّلات جيوسياسية واقتصادية واسعة.
وجاء اللقاء، الذي أقيم في مؤسسة زايد ضمن برنامج «استشراف المساعدات»، في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تقلبات أدت إلى تقلّص قدرة دول غربية تقليدية على تمويل عمليات الإغاثة حول العالم.
من «حارس النظام» إلى فراغ قادري
افتتح المتحدثون نقاشاتهم بالإشارة إلى أن نهاية عهد هيمنة الولايات المتحدة التقليدية على أطر النظام الدولي — التي ربطها بعض المتحدثين بانتخاب دونالد ترامب — خلقت فراغًا جيوسياسيًا وفرصًا ومسؤوليات جديدة أمام لاعبين إقليميين.
ووصف بارت فونتين، كبير مستشاري التنمية والمساعدات الإنسانية في هايفن، الوضع بأنه «اضطراب جيوسياسي» يفرض على الدول الأوروبية والخليجية إعادة تشكيل تحالفاتها واستراتيجياتها في تقديم المساعدة.
وأضاف أنه رغم وحشية المشاهد في أماكن مثل غزة والسودان، يظل لديه «ثقة بالإنسانية» أن العالم سيبني من رماد الصراعات نظامًا أفضل على المدى الطويل.
الإمارات كنقطة انطلاق لنهج جديد للمساعدات
ركز المتحدثون على تجربة الإمارات كنموذج لتقارب بين العمل الإنساني والتنموي والدبلوماسي.
وبيّن باري ماكمينوس، خبير الدفاع الدولي، أن الإمارات تطوّر «فلسفة مساعدات» تعيد تعريف الإغاثة باعتبارها بداية لعمليات تنموية أطول أمداً — تشمل البعد الطبي واللوجستي والهندسي والتعليمي — بدلاً من أن تقتصر على معاملات مؤقتة.
وقال إن الجمع بين قدرات الدفاع والوزارات المدنية والمنظمات غير الحكومية يتيح حزمة دعم متكاملة تستهدف المرونة الطويلة الأمد للمجتمعات المتضررة.
الشراكات: من الغرب إلى آسيا وأفريقيا
شدّد هوسوك لي-ماكياما، خبير السياسات التجارية، على ضرورة تنويع الشراكات: «على دول الخليج موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة مع بناء شراكات استراتيجية جديدة في أماكن مثل آسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء»، مشيرًا إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية كخريطة طريق لاستشراف فرص تعاون بديلة.
وأشار إلى أن سعي الاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاق تجارة حرة مع الإمارات يؤكد التحوّل الجيو-اقتصادي الذي يضع الدولة الخليجية في مركز شبكة علاقات أوسع.
وتوقف المتحدثون عند قرار واشنطن الأخير بخفض موازنات المساعدات الخارجية، الذي ترك فجوة مالية كبيرة لبرامج الإغاثة الدولية.
وأوضح المشاركون أن هذا الانكماش في التمويل التقليدي يستدعي من دول الخليج أن تملأ الفراغ ليس فقط من خلال منح نقدية لكنها عبر تمويل آليات عمل وبُنى تحتية وخبرات فنية تمكن الشركاء المحليين من العمل باستقلالية أكبر.
الابتكار والقيادة والإعداد المؤسسي
تتضمن خطة الإمارات الموضوعة في منتدى «استشراف المساعدات» دورات تدريبية وورش عمل حول الابتكار والقيادة والتمويل المبتكر، كما تركز على استخدام البيانات والتحليلات لتحسين استهداف المساعدات.
وبيّنت الجلسات أن الدمج بين القطاعين العام والخاص ومنظمات المجتمع المدني يوفر أرضية لنماذج جديدة تُقلّل الاعتماد على التمويل الطارئ وتبني حلولًا مستدامة.
ورغم التفاؤل، لم يغفل الخبراء التحذيرات: لا تزال التوترات الجيوسياسية والمرحلة الانتقالية في النظام الدولي مصدرًا لعدم يقين.
كما أثار بعض الحضور تساؤلات حول كفاءة وآليات المساءلة والشفافية في إدارة موارد المساعدات، وضرورة أن تُبنى شراكات «متساوية» مع الدول النامية بدلاً من نمطٍ تسلطي أو توجيهي.
وقد رسخت فعاليات المنتدى رؤية مشتركة مفادها أن دول الخليج، وبالأخص الإمارات، تمتلك اليوم القدرات اللوجستية والمالية والتقنية لتلعب دورًا قياديًا في دعم عمليات الإغاثة عالمياً.
لكن لتحقيق أثر حقيقي ومستدام، شدّد الخبراء على ضرورة أن تتضمن استراتيجيات المساعدات خليطًا من التمويل الفعال، الشراكات المتوازنة، الابتكار المؤسسي، وضمانات شفافية ومساءلة من شأنها تحويل الجهود الإغاثية إلى مشاريع تنموية تعيد بناء القدرة المجتمعية على مواجهة الصدمة وقهر آثار الصراع والكوارث.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72834