نيويوركر تفضح القمع ضد النساء في قصور حكام الإمارات

فضحت مجلة نيويوركر الأميركية تحقيقا مطولا تفضح فيه القمع ضد النساء في قصور حكام دولة الإمارات العربية المتحدة ما دفع بعضهن لمحاولة الفرار.

وتناول تحقيق نيويوركر قصة محاولة الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، ابنة حاكم دبي الفرار من قبضة والدها القمعية في عدة محاولات.

وجاء في التحقيق أنه بعيدًا في بحر العرب ذات ليلة من فبراير 2018، شعرت الشيخة لطيفة التي كانت تحاول الهرب، بالتعجب من روعة النجوم فوقها بعد رحلة بحرية شاقة.

فقد استخدمت زورقًا ثم دراجة مائية شخصية (جيت سكي) لتشق طريقها بين الأمواج العاتية، للوصول الى اليخت الذي كانت تعمل على تأمينه منذ فترة طويلة من اجل الهرب، الامر الذي ادى الى بلل متعلقاتها التي قامت بتخبئتها في حقيبتها.

بعد أن صعدت على متن اليخت الذي سيحملها الى الحرية، أمضت أيامًا عدة تعاني من الغثيان.

لكن الليلة كان البحر أكثر هدوءًا، وشعرت بإثارة إحساس غير مألوف: لقد كانت حرة أخيرًا.

كانت لطيفة في الثانية والثلاثين من عمرها وصغيرة الحجم بعيون داكنة وقد استجمعت شعرها على شكل ذيل حصان فضفاض، وبجانبها جلست صديقتها مدربة فنون القتال الفنلندية تينا جوهياينن التي ساعدتها في الاستعداد للهرب.

كانت الليلة باردة، وارتدت كل من لطيفة وتينا سترة شتوية سوداء.

حثت لطيفة صديقتها على النوم على سطح السفينة معها، لكن تينا المتعبة وعدتها بالقيام بذلك في ليلة أخرى، خصوصًا وان هناك فرصًا كثيرة لرؤية النجوم في السماء بعد الأيام العاصفة الأولى من الرحلة.

حتى هذه الليلة، كانت لطيفة قد قضت نصف حياتها وهي تضع خططًا للفرار من والدها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ورئيس وزراء دولة الامارات، الحليف البارز للحكومات الغربية، والذي اشتهر بنجاحه في تحويل دبي إلى قوة معاصرة على مستوى العالم.

امام الرأي العام، وضع المساواة بين الجنسين في صميم خطته لدفع الإمارات إلى قمة النظام الاقتصادي العالمي، وتعهد “بإزالة جميع العقبات التي تواجهها المرأة”، لكن بالنسبة لابنته، كانت دبي “سجنًا مفتوحًا”، حيث امر بمعاقبة العصيان بوحشية.

تعرضت لطيفة اثناء مراهقتها للضرب المبرح لتحديها والدها، وحينما أصبحت بالغة مُنعت من مغادرة دبي، وظلت تحت المراقبة المستمرة من قبل حراسها.

عرفت لطيفة منذ وقت مبكر أن الهروب يمثل تحديًا “ضخمًا بشكل لا يمكن ان يفهمه أحد” وكتبت قائلة “سيكون أفضل أو اخر شيء افعله” وكتبت لاحقًا “لم أعرف مطلقًا الحرية الحقيقية، وبالنسبة لي انه شيء يستحق ان نموت من اجله”.

قمت بجمع تفاصيل تجربة لطيفة من خلال قراءة مئات الرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني والنصوص والاستماع للرسائل الصوتية التي أرسلتها إلى اصدقائها على مدار عقد من الزمان.

حافظت لطيفة على خطة الهرب طي الكتمان لسنوات حيث أرست الأساس عبر ممارسة التدريب في الرياضات الخطرة، والحصول على جواز سفر مزور، وتهريب النقود إلى شبكة من المتآمرين.

بحلول الوقت الذي كشفت فيه عن المخطط لـصديقتها التي كانت الان معها على متن اليخت تحت هذه السماء الصافية، كانت قد استأجرت بالفعل أحد رجال اليخوت ليلتقي بها قبالة الساحل وينقلها فيما بعد إلى الهند أو سريلانكا، حيث كانت تأمل في السفر إلى محطتها النهائية الولايات المتحدة وطلب اللجوء هناك.

لقد احتاجت للمساعدة في الوصول إلى نقطة اللقاء، على بُعد ستة عشر ميلًا من الشاطئ، في المياه الدولية.

جوهياينن امرأة صلبة وذات عظام وجنتين عاليتين وعيون زرقاء جليدية، وقد قضت وقتًا في السنوات الاخيرة بالقرب من لطيفة أثناء إعطائها دروس الكابويرا (رياضة قتالية برازيلية) في القصر الذي سكنته، وأرادت مساعدتها في رؤية العالم.

قالت لي: “لقد كنت متحمسة للغاية” بعد أن وعدت بمرافقة لطيفة طوال الطريق الى الحرية “أخيرًا، سنتمكن من القيام بذلك معًا”.

قبل الانطلاق، تسللت لطيفة إلى شقة جوهياينن، التي أصبحت مخزنًا لمعدات الغوص، وأجهزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية، وأجزاء القوارب التي جمعتها المرأتان طوال سنوات، وجلست أمام جهاز تسجيل فيديو.

ارتدت قميصًا أزرقًا فضفاضًا، وسجلت ما يقرب من أربعين دقيقة من شهادتها، من اجل ان يتم نشرها للرأي العام في حالة فشل خطة الهرب والقبض عليها.

قالت إن والدها “مجرم كبير” مسؤول عن تعذيب وسجن العديد من النساء اللواتي قمن بعصيانه، وقالت إن أختها الكبرى كانت في الأسر تحت التخدير بعد محاولتها الهرب من البلاد، قبل ثمانية عشر عامًا، كما تم قتل خالتها بسبب العصيان.

وقالت لطيفة إنها سعت للهرب لتطالب بحياة “حيث لا يتعين عليّ أن أسكت”، وحيث يمكنها أن تستيقظ في الصباح والقول لنفسها “يمكنني أن أفعل ما أريده اليوم، ويمكنني الذهاب إلى أي مكان أريده، ولدي كل الخيارات المتاحة في العالم”.

نفى محامو محمد بن راشد ارتكاب أي خطأ من جانبه، لكنهم رفضوا الرد على أسئلة مفصلة.

على متن اليخت، كتبت لطيفة إلى صديقة لها قائلة “أشعر حقًا بالحرية الآن بالرغم من انني مازلت هدفًا ولكنني حرة تمامًا”.

بعد أسبوع من بداية الرحلة، اكتشف القبطان سفينة أخرى قريبة منهم، وطائرة صغيرة تحلق في سماء المنطقة. كان الهاربون على بعد حوالي ثلاثين ميلاً من سواحل الهند، وكان وقود اليخت ينفد.

خشي القبطان من العثور على لطيفة، وارسل رسالة الى صديق في الثالث من مارس قائلًا “اذا عثروا عليها سوف يقتلونها”.

في اليوم التالي، حلقت طائرة أخرى.

قالت جوهياينن إنه بحلول الليل، كان كل شيء هادئًا، لكن لطيفة كانت صامتة ومن المتعذر الحديث معها، وفي حوالي الساعة 10 مساءً، نزلت المرأتان إلى الكابينة الخاصة بهما، حيث بدأت لطيفة بتنظيف اسنانها في الحمام الضيق، وحال خروجها، اهتز الهواء بسلسلة من الانفجارات المتتالية العنيفة.

بدأ صوت وقع الأحذية يُسمع فوق سطح السفينة، وفي هذه اللحظة صرخت لطيفة “لقد عثروا علي”، وهرعت مسرعة مع صديقتها الى الحمام الضيق وأغلقتا على نفسيهما الباب وارسلتا رسائل مذعورة تطالب المساعدة.

سرعان ما تصاعد الدخان من خلال فتحات التهوية وأجهزة الإنارة، وبينما كانتا تكافحان من أجل التنفس، قالت لطيفة إنها آسفة، وعانقتها جوهياينن ثم انهارت المرأتان في الغرفة الضيقة.

كانت خطوط الليزر الصادر من البنادق الهجومية تخترق الظلام الممتد في جميع الاتجاهات، وقام رجال ملثمون بأخذ المرأتين واجبروهن على الصعود الى سطح السفينة المجاورة لليخت، بعد تقييد القبطان وطاقمه وتعريضهم إلى الضرب المستمر.

امتلئت الأرض بالدماء، وكانت يدا لطيفة مقيدتين خلف ظهرها لكنها قاومت عبر الركل والصراخ والتشبث بالحواجز، وبينما كان الرجال يسحبونها بعيدًا، سمعت جوهياينن صراخها وهي تقول “أطلقوا النار علي هنا! لا ترجعني الى دبي”، ثم اختفت الأميرة في البحر.

قصر زعبيل، المقعد الملكي للشيخ محمد، عبارة عن قلعة ذات أعمدة بيضاء تقع في أراضي محاطة بأشجار النخيل مع نوافير متقنة وسرب من الطاووس المتجول.

عندما تم بناؤه في منتصف الستينيات كان وحيدًا في الصحراء وامتدت حوله الرمال الجرداء، لكنه الان يفصل بين احياء دبي المستقبلية وأسواقها القديمة.

عندما يستقبل الشيخ محمد الضيوف، يحب أن يذكرهم كيف انبثقت البنايات الشاهقة من الرمال، حيث قال لطاقم أحد الأفلام عام 2007 “كل هذا لم يكن هناك عام 2000” مشيرًا إلى المدينة بيده “لكن انظر الان”.

عندما ولد الشيخ محمد عام 1949، كان مسقط رأسه عبارة عن ميناء ساحلي صغير، ويمثل واحدة من سبع مشيخات صحراوية خاضعة لسيطرة الإمبراطورية البريطانية.

حكمت عائلته من مجمع من الطين حيث كانوا ينامون على السطح في الصيف، ويرشون الماء على أنفسهم ليظلوا باردين.

تؤكد مذكرات الشيخ محمد، “قصتي”، على طفولته المتجذرة في التقاليد البدوية، حيث يقول إنه حينما بلغ الثامنة من العمر كان يصطاد في الصحراء مستخدمًا الكلاب والصقور.

تُظهر صورة مبكرة له صبياً صغيراً يداعب طائر صيد ضخم يقف على معصمه، وتصف المذكرات والدته (لطيفة) بأنها شخصية ذات فضائل اسطورية باعتبارها “صاحبة خصائص ملكة تسحر كل ما حولها” ولكنها أيضًا امرأة قوية يمكنها إطلاق النار “أفضل من العديد من الرجال” وركوب الخيل “كما لو كانت قد ولدت وهي تمتطي سرجًا”.

في سن العاشرة تقريبًا، رافق محمد والده الشيخ راشد في رحلة إلى لندن، وعند هبوطه في مطار هيثرو، حدق في المطار المزدحم “رمز اقتصاد المملكة البريطانية القوي” وتحدث مع نفسه قائلًا “نحن في دبي لدينا القدرة على أن نصبح مدينة عالمية”.

لاحقًا، في داونينج ستريت، شاهد والده وهو يتحدث عن ضرورة أن تبني دبي مطارًا دوليًا خاصًا بها.

أعلن البريطانيون انسحابهم من الخليج عام 1968، وتشكلت دولة الإمارات وأصبحت مصدرا رئيسيا للنفط، وفي هذه الفترة، عاد الشيخ محمد من التدريب العسكري في إنجلترا لتولي دور قيادي في حكومة والده، ثم بعد نحو نصف قرن، تم الترحيب به باعتباره عبقريًا تحديثيًا حول دبي إلى مركز تجاري مزدهر، مع مطار حل مكان مطار هيثرو باعتباره المركز الدولي الأكثر ازدحامًا في العالم.

عندما توفي الشيخ راشد عام 1990، فرضت العادات أن يتولى ابنه الأكبر، الشيخ مكتوم المعتدل منصب الحاكم، لكن لم يشك أحد فيمن كان يدير البلاد حقًا.

ابتكر الشيخ محمد مبادرة الأجواء المفتوحة التي رحبت بالمسافرين العالميين وأطلق شركة طيران الإمارات وأدخل سياسة الإعفاء الجمركي التي حولت دبي إلى واحدة من أكثر مراكز الشحن ازدحامًا في العالم.

وأقام شبكة من المناطق الخالية من الضرائب التي اجتذبت البنوك والشركات الدولية؛ كما جعل دبي المدينة الاولى في الخليج حيث يمكن للأجانب تملك العقارات.

في فترة الازدهار العقاري الناتج عن هذه السياسات، تباهى الشيخ محمد بثروات دبي ببناء سلسلة من المعالم البارزة بما في ذلك برج العرب الذي كثيرًا ما يوصف بأنه أفخم فندق في العالم، وبرج خليفة الذي يعد أطول مبنى في العالم.

اليوم يمكن من الفضاء ملاحظة مجموعة من الجزر الاصطناعية على شكل خريطة العالم، وأخرى على شكل نخلة.

تولى الشيخ محمد العرش رسميًا بعد وفاة أخيه عام 2006.

في الداخل، قدم صورة زعيم عربي تقليدي يصور نفسه على أنه رجل مخلص للعائلة، ومؤلف غزير الإنتاج للشعر النبطي، وبطل سباقات القدرة على التحمل الخاصة بالخيول، أما في الخارج فكان يداعب الغرب دائمًا.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.