تشهد الكويت واحدة من أكثر الحملات تشددًا في تاريخها الحديث ضد مواطنيها، بعد موجة غير مسبوقة من قرارات سحب الجنسية طالت عشرات الآلاف منذ وصول الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح إلى سدة الحكم عام 2023.
ومع أن الرقم المعلن رسميًا لا يتجاوز 50 ألف حالة سُحبت جنسيتها منذ سبتمبر 2024، إلا أن ناشطين يؤكدون أن عدد المتضررين قد يصل إلى 200 ألف شخص، في ظل توقف الحكومة عن نشر البيانات منذ سبتمبر 2025، ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة حول حجم الحملة ومداها.
ولطالما اعتُبرت الكويت استثناءً نسبيًا في الخليج بفضل تاريخها البرلماني ودورها الوسيط في أزمات المنطقة.
غير أن هذا الإرث يتعرض لاهتزاز غير مسبوق منذ أن جرى تعليق البرلمان وتعطيل مواد دستورية أساسية عام 2024، وهو ما فتح الباب أمام إعادة صياغة قواعد المواطنة بشكل جذري، وتحويلها إلى أداة ضبط سياسي واجتماعي.
تحول خطير في نموذج الديمقراطية الكويتية
منذ السبعينيات، شكّلت الكويت محطة لجوء آمنة للمعارضين القادمين من الدول الأكثر قمعًا في الإقليم، بل كانت – كما يصفها الناشط محمد الميل – “أقرب إلى أوروبا من حيث استقبال المضطهدين سياسيًا”.
لكن الرجل نفسه، الذي يعيش في المنفى البريطاني منذ 2017، وجد اسمه ضمن قوائم من سُحبت منهم الجنسية في أكتوبر الماضي، في خطوة وصفها بأنها “سياسية بحتة”.
ويقول الميل في مقابلة عبر الاتصال المرئي: “بعد سنوات من حملات التشويه والمحاكمات الغيابية، لجأت السلطات إلى الورقة الأخيرة… إسكاتي عبر إسقاط الجنسية”.
وبرغم أنه من أبرز الأصوات التي تتحدث علنًا، فإنه يقر بأن معاناة الشخصيات المعروفة “أهون بكثير” مما يواجهه المواطنون العاديون.
أرامل ومطلقات بلا جنسية
تُظهر شهادات حصلت عليها منظمات حقوقية أن النساء هن الفئة الأكثر تضررًا من الحملة، خصوصًا الأرامل والمطلقات اللواتي حصلن على الجنسية عبر الزواج. فبعد تعليق المادة التاسعة من الدستور التي كانت توفر الحماية لهن، تحوّلن إلى أهداف مباشرة لقرارات السحب.
وتقدّر مصادر حقوقية أن ثلثي من فقدوا جنسيتهم نساء، كثيرات منهنّ ولدن ونشأن في الكويت. هؤلاء خسرن فجأة حقهن في التعليم والعمل والرعاية الصحية، وتحولن إلى “عديمات جنسية” داخل بلد عشن فيه عقودًا.
من بين الحالات البارزة “إيمان”، التي وُلدت في الكويت وتزوجت من كويتي عام 2006. بعد انفصالها عنه عام 2013، وجدت نفسها مدرجة على قوائم إسقاط الجنسية في ديسمبر 2024.
وعندما تحدثت في مساحة عبر منصة “إكس”، اتُهمت بإهانة الدولة، وصودر هاتفها، ثم اعتُقلت وتعرضت – بحسب شهادتها – لإهانات وسوء معاملة وصلت إلى “تفتيش مهين”. وفي النهاية رُحّلت قسرًا إلى مصر تاركة وراءها أبناءها.
قصة مشابهة عاشتها “ليلى”، التي جاءت من السعودية وتجنّست بعد زواجها. وبعد إسقاط جنسيتها، طُلب منها “استعادة جنسيتها السعودية” كي تُعامل كمقيمة قانونية. لكن الرياض رفضت التدخل، تاركة المرأة في فراغ قانوني كامل.
اتهامات بأنها حملة سياسية واقتصادية بغطاء تشريعي
ترتكز حملة إسقاط الجنسية على تشريع أُقر في ديسمبر 2024، يسمح بإسقاطها لمن يتهمون بـ“الفساد الأخلاقي” أو “تهديد أمن الدولة”، بما في ذلك انتقاد الأمير أو الرموز الدينية. كما تشمل الاتهامات “التزوير” و“الازدواج غير القانوني للجنسية”.
في يوم واحد فقط، 6 مارس الماضي، جُرّد 464 مواطنًا من جنسيتهم. هذه الأرقام – وإن لم تعلن رسميًا – تكشف حجم التسارع في استخدام سلاح المواطنة لأغراض سياسية وأمنية، وفق مراقبين.
ويربط أندرو ماكنتوش، مدير الأبحاث في منظمة “سلام”، بين الحملة وبين التحولات الاقتصادية في الخليج مع بداية تراجع عوائد النفط. ويوضح: “تعتمد الكويت منذ تأسيسها على دولة الرفاه.
لكن مع تحول الاقتصاد العالمي، تحاول الحكومة تقليص أعداد المستفيدين من الرعاية العامة عبر تحديد هوية كويتية أكثر ضيقًا”.
غياب المساءلة الدولية رغم خطورة الإجراءات
على الرغم من أن إسقاط الجنسية بشكل تعسفي محظور وفق القانون الدولي، لم يصدر حتى الآن أي موقف قوي من المجتمع الدولي.
وتقول تيانا دانييل خافيير، من معهد انعدام الجنسية والإدماج، إن “القوانين الدولية واضحة في منع حرمان الأفراد من جنسيتهم دون إجراءات قانونية عادلة، لكن لا توجد في الكويت أي آلية فعالة للطعن في القرارات”.
أما الناشط الميل، فيؤكد أن حملته لمساءلة السلطات الكويتية “بدأت بالفعل”، مشيرًا إلى تواصله مع وزارة الخارجية البريطانية بشأن أوضاع الكويتيين من ذوي الروابط بالمملكة المتحدة.
وفي حين تستمر الحكومة الكويتية في التزام الصمت، تزداد أعداد المتضررين وتتمدد آثار انعدام الجنسية لتشمل العائلات والأطفال والمقيمين منذ عقود.
وبغياب المسار القضائي والرقابة البرلمانية، تبدو البلاد مقبلة على مزيد من الجدل الداخلي والانتقادات الخارجية، في قضية مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أكبر أزمات المواطنة في المنطقة خلال العقد الأخير.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73299