
غزة – عاد آلاف الطلاب إلى مقاعدهم الدراسية في قطاع غزة، اليوم السبت، لافتتاح العام الدراسي الجديد لعام 2026، وذلك بعد انقطاع دام نحو ثلاثة أعوام بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع. وقد بدأت العملية التعليمية رسمياً في التاسع عشر من سبتمبر/أيلول الحالي، وسط مشهد يجمع بين فرحة العودة إلى الفصول الدراسية وحزن الغياب القاتل الذي خلفته المعارك.
يحمل كل طالب حقيبة مدرسية ودفاتر، لكنه يجد نفسه أمام واقع مختلف جذرياً عما كان عليه قبل أكتوبر 2023. فالمباني التي اعتادوا دخولها دمرت بالكامل أو تضررت بشدة، والوجوه التي كانت تجلس بجانبهم غابت عن الحياة، مما جعل بعض المقاعد تبقى فارغة للأبد، ليس بسبب الغياب المدرسي العادي، بل بسبب فقدان أصحابها أرواحهم.
وكشفت بيانات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، التي تم تحديثها مؤخراً، عن حصيلة مأساوية للضحايا من صفوف التعليم. فقد قُتل أكثر من عشرين ألف طالب وطالبة منذ بداية العدوان، منهم 19,101 من طلبة المدارس و1,379 من طلبة الجامعات، بالإضافة إلى مئات العاملين في القطاع التربوي الذين سقطوا أيضاً.
وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن نحو سبعة ملايين طفل في سن الدراسة حُرموا من حقهم في التعليم الحضوري الرسمي طوال هذه الفترة الطويلة. وتقدر المنظمة أن حوالي 530 ألف طالب من أصل 541 ألفاً يمكن استيعابهم في النظام التعليمي المتبقي، بينما يتعذر تعليم نحو 11 ألفاً آخرين بسبب نقص الأماكن المتاحة.
وقد تعرضت البنية التحتية للتعليم لدمار شامل، حيث أفادت اليونيسف بأن 98% من مباني المدارس في القطاع تعرضت لأضرار متفاوتة، وأكثر من 93% منها تحتاج إلى إعادة تأهيل كبرى أو هدم وإعادة بناء، فيما ضربت 81% منها بشكل مباشر.
ومع ذلك، تحاول الجهات المعنية تقديم ما هو متاح من حلول بديلة. فالكثير من الفصول تقام الآن في خيام أو مراكز مؤقتة أو أجزاء متبقية من مدارس لم تتضرر كلياً. ويجلس الأطفال على الأرض أحياناً، وتقسم الأيام بين الجنسين لضيق المساحة، مما يجعل ساعات الدراسة مختصرة ومجهدة.
ولا تقتصر التحديات على المباني فحسب، بل تمتد إلى المستلزمات الأساسية. فتعمل اليونيسف وشركاؤها على توفير الكتب والأقلام والحقائب، بعد أن حُرم الأطفال من أبسط أدوات التعلم لسنوات. فالعودة هنا ليست مجرد فتح أبواب، بل هي معركة لاستعادة الروتين الطبيعي.
ويعكس المشهد داخل الفصول سؤالاً مؤلماً يتكرر باستمرار: أين زميلي؟ ولماذا بقي مقعده فارغاً؟ فالآثار النفسية للحرب والنزوح والفقدان ترافق كل طفل يدخل الصف، حتى لو كانت الحقيبة جديدة والأجراس تدق.
ورغم كل هذا الدمار والخسارة البشرية الهائلة، يصر أطفال غزة على حضور المدرسة. فالتعليم بالنسبة إليهم ليس مجرد تعلم للمواد الدراسية، بل هو محاولة لاستعادة الطفولة المفقودة، والأمل في مستقبل لا تكون فيه المقاعد أماكن للتعلم فقط، بل ملاذاً آمناً.
ويبدو أن العام الدراسي الجديد سيكون مختلفاً تماماً عن أي عام سابق، حيث سيحمل كل فصل دراسي ذاكرة ثلاث سنوات من الدمار، وسيتعلم الطلاب وسط ركام الماضي، بحثاً عن حياة طبيعية يمكن أن تعود يوماً ما.
وتظل الأرقام الرسمية صادمة لكل من يحاول فهم حجم الكارثة، حيث يمثل سقوط الآلاف من الشباب في زهرة العمر ضربة قاسية لمستقبل جيل كامل، يحرم من سنوات تكوينه العلمي والاجتماعي.
وبالرغم من صعوبة الظروف، فإن استمرار العملية التعليمية بأي شكل ممكن يعتبر انتصاراً رمزياً لإرادة البقاء والاستمرار، في وجه محاولات محو الهوية والمستقبل عبر تدمير المؤسسات الحيوية.
ويشير الخبراء إلى أن إعادة بناء قطاع التعليم لن يستغرق وقتاً قصيراً، نظراً لحجم الخسائر المادية والبشرية، مما يتطلب جهوداً دولية ومحلية ضخمة لدعم القطاع المتداعي.
وفي النهاية، تظل عودة الطلاب إلى مدارسهم حدثاً تاريخياً في حد ذاته، ليس لأنه يعيد الأمور إلى نصابها، بل لأنه يثبت قدرة الإنسان على الصمود حتى في أحلك الظروف وأقساها.
وستبقى تلك المقاعد الفارغة شاهداً على جريمة حرب مستمرة ضد الحق في التعليم والحياة، وستكون جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار خليج 24.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=76816
