الضربة الإسرائيلية لقطر تهز الخليج: هل أصبحت إسرائيل إيران الجديدة؟

لم يكن أحد من مهندسي اتفاقات أبراهام يتوقع أن يطرح في الخليج سؤال بحجم: «هل أصبحت إسرائيل إيران الجديدة؟». إلا أن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة الأسبوع الماضي غيّر المعادلات بسرعة، إذ أعاد إلى الواجهة صورة إسرائيل كعامل فوضى إقليمي، وليس شريكًا للاستقرار كما جرى الترويج له.

فقد جاء الهجوم في ظل تداعيات حرب غزة التي دخلت عامها الثاني دون أفق للحل. الولايات المتحدة كانت تفاخر بقدرتها على منع انزلاق النزاع مع حماس وإيران إلى دول المنطقة.

لكن الواقع أثبت العكس: إيران قصفت قاعدة أمريكية في قطر سابقًا، وإسرائيل قصفت حيًا سكنيًا في الدوحة بذريعة استهداف قادة حماس. كلا الضربين كشف أن الخليج لم يعد بعيدًا عن نيران الحرب.

ورغم فشل العملية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها المعلنة، فقد خلّفت ضحايا مدنيين وأطاحت بالثقة القطرية في الحماية الأمريكية، بل وأضعفت الدور الوسيط للدوحة في مفاوضات وقف إطلاق النار.

نتنياهو: القوة بدل الدبلوماسية

يعكس الهجوم الإسرائيلي رؤية بنيامين نتنياهو التي تقوم على استبدال الدبلوماسية بالقوة العسكرية.

فرئيس الوزراء الإسرائيلي تجاهل مصير الرهائن الإسرائيليين الذين ما زالوا محتجزين في غزة، وركز على ما يعتبره هدفًا نهائيًا: تدمير حماس. لكن هذه المقاربة، بحسب مراقبين، ليست إلا وهمًا استراتيجيًا.

فحماس فقدت منذ فترة طويلة القدرة على العمل كجيش متماسك، لكنها ما تزال تمثل رمزًا للمقاومة ولديها أوراق ضغط، وهو ما يجعل رهان نتنياهو على إنهاكها بالقوة رهانًا غير مضمون النتائج.

إسرائيل كمصدر انعدام أمن

اللافت أن صورة إسرائيل في الخليج باتت تتشابه مع صورة إيران: مصدر تهديد إقليمي بدلًا من عنصر استقرار.

فبينما تنشغل السعودية والإمارات بتنفيذ مشاريع اقتصادية وبنى تحتية كبرى تحتاج إلى استقرار طويل الأمد، تتصرف إسرائيل وفق منطق «اضرب أي هدف في أي مكان»، في تناقض صارخ مع أولويات الخليج.

وقد يترك هذا التحول أثرًا بالغًا على مسار التطبيع. الرياض التي قاومت ضغوط واشنطن لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل تشعر الآن بالارتياح لموقفها المتحفظ.

أما أبوظبي، أقرب شريك لإسرائيل، فقد عبّرت عن استيائها بإلغاء مشاركة تل أبيب في معرض دبي للطيران، وهو مؤشر على عمق الخلاف المتنامي.

الموقف الأمريكي المربك

الأهم أن الولايات المتحدة لم تُظهر استعدادًا لاتخاذ إجراءات حقيقية ضد إسرائيل. صحيح أن الرئيس دونالد ترامب عبّر عن انزعاجه، لكنه اكتفى بطمأنة قطر بأن الهجوم لن يتكرر، بينما حذر المسؤولون الإسرائيليون بالفعل من محاولات جديدة.

وقد أرسل هذا التردد الأمريكي رسالة مقلقة لشركاء واشنطن: إذا لم تستطع الولايات المتحدة حماية قطر، الحليف الوثيق والمضيف لأكبر قاعدة أمريكية في المنطقة، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على ضمان أمن بقية العواصم الخليجية؟

قطر وخيبة الضمانات

واستضافت الدوحة حركة حماس ومولت أنشطتها بترتيب أمريكي–إسرائيلي، على أساس أنها تؤدي دور الوسيط الموثوق. الهجوم الإسرائيلي نسف هذه المعادلة، وجعل قطر تدفع ثمنًا أمنيًا باهظًا رغم أنها التزمت بما طُلب منها.

مجلس الأمن الدولي ناقش بالفعل الهجوم، وبدأت أصوات تطالب بخطوات قانونية أمام محكمة العدل الدولية. لكن قطر ستعتمد أيضًا على أدوات إقليمية، إذ تلقّت دعمًا سريعًا من السعودية والإمارات، وقد تطالب هذه المرة بما هو أبعد من التضامن اللفظي، مثل الضغط الجماعي لتعليق العلاقات مع إسرائيل.

الخليج يعيد الحسابات

المشهد الجديد يفرض على دول الخليج إعادة تقييم رهاناتها. فالإمارات، التي وظفت اتفاقات أبراهام لتأمين موقعها كقوة صاعدة، ترى اليوم أن إسرائيل استغلت الثقة الممنوحة لها، فيما السعودية تعتبر أن المخاطر الحالية تفوق أي فوائد محتملة للتطبيع.

الأخطر أن هذا كله يضعف مصداقية الولايات المتحدة. إذا لم تستطع ضبط سلوك إسرائيل، فإن البدائل المطروحة – من تحالفات مع قوى إسلامية كبرى مثل باكستان، أو تعزيز التعاون مع الصين وروسيا – قد تصبح أكثر جاذبية.

وبالمحصلة فإن الضربة الإسرائيلية على قطر لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل نقطة تحول في إدراك الخليج لمصادر التهديد والأمان. إسرائيل التي أرادت أن تكون شريكًا استراتيجيًا عبر اتفاقات أبراهام، باتت تُرى اليوم كعامل فوضى شبيه بإيران.

في المقابل، عجز واشنطن عن ضبط حليفتها يرقى إلى «فشل استراتيجي» يهدد مكانتها كضامن أمني في المنطقة. وإذا لم تغيّر الولايات المتحدة نهجها، فقد تجد أن شركاءها الخليجيين يبحثون بجدية عن مظلات أمنية بديلة، في مشهد يشي بإعادة تشكيل واسعة للتحالفات في الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.